تلقيت رسائل وتعليقات كثيرة حول مقالي "الشباب واستقلالية الاختيار" الذي انتقدت فيه آراء وأفكار الشباب السلبية تجاه الارتباط بالطبيبات والممرضات وغيرهن ممن يعمل في المجال الصحي، البعض استغرب من وجود أشخاص لا زالوا حتى الآن يفكرون بهذه الطريقة المتحجرة رغم كل رياح التطور التي تهب علينا، وآخرون أبدوا عدم قناعتهم بتلك الآراء والمواقف ولكنهم غير قادرين على مواجهتها بفعل تأثير الأهل والمجتمع.
لا أبتغي من إعادة الحديث في هذا الموضوع المناكدة، وتأجيج واستفزاز المشاعر لأن هذا لا يجدي، ولكن هناك تعليقات وصلتني رأيت أنه من المهم التوقف عندها، بعضها يؤكد أن الغيرة على الفتاة التي تعمل طبيبة هي السبب الرئيسي لتخوف الشاب من الزواج بها، وبعضها الآخر يقول أن المجتمع ليس وحده المسؤول عن هذه النظرة إلى المرأة التي تعمل في المجال الطبي، ولكنهم بعض زملاء المرأة في العمل يكرسون مثل هذا التفكير، بما يرددونه ويثرثرون به من أفكار وحكايات وخرافات لأصدقائهم بهدف التقليل من شأن المرأة التي تعمل معهم جنباً إلى جنب، فكل واحد منهم يريد أن تكون له الريادة في هذا المجال ليصول ويجول، ووجد امرأة تشاركه في مهامه، يقلل من إنجازه العظيم وربما من رجولته.
من المهم أن يدرك الكل أن الفتاة التي نالت قدراً كبيراً من المعرفة والخبرة وخصوصاً من كان تعليمها في مجال الطب وعلومه، واعتادت على أن تضحي مادياً ومعنوياً وتتحمل المسؤولية في أصعب الظروف، هي المسؤولة عن نفسها وأمام نفسها ومجتمعها ولا تحتاج إلى وصاية أحد، ولكنها بحاجة إلى من يشاركها ويساندها ويفكر معها ويثق بقدراتها على وضع الحدود وحماية نفسها من أي تجاوز.
لقد اثبتت فتياتنا - وليس كلهن - وعلى أكثر من صعيد، زوجات كن أو أمهات، أخوات أو بنات، أنهن قادرات على القيام بأدوارهن في العمل والمنزل، بفكر متفتح وبشعور كبير المسؤولية رغم العراقيل والقيود المفروضة وعدم التقدير لما يقدمنه، أما الشباب فلا زال كثير منهم مع الأسف بحاجة إلى امتلاك الخبرات التي تؤهلهم للقيام بمسؤولياتهم وربما كان السبب أن الولد في مجتمعنا يدلل وتلبي رغباته مقارنة بالبنت، وبالتالي لم تعد لديه القدرة على التحمل، فأصبحت المرأة في كثير من الأحيان تقوم بكل شيء تقريباً، سواء تحملت بنفسها أو حملت المسؤولية، وكان عليها أن تدفع ضريبة دخولها مجال العمل واستقلالها المادي، لذلك لا يجب أن نستغرب ارتفاع نسبة الطلاق وكثرة المشكلات الزوجية.
ما أريد التأكيد عليه ويؤيده الواقع، أنه كلما ارتقى تفكير الرجل وأحس بالمسؤولية أكثر ازداد شعوره بحقوق المرأة، ونما وكبر على مسائل الغيرة والشك، فالغيرة على الزوجة الطبيبة نابعة من النظرة الحسية إلى المرأة، ومن ينظر بهذا الأسلوب يتوقع أن الكل ينظر إلى امرأته بالمنظار نفسه، وبدل أن يقلق هذا الغيور من عمل زوجته الطبيبة خصوصاً عند تأخرها أو قيامها بالمناوبات الليلية حين يتطلب الواجب ذلك، عليه أن يتفهم متطلبات عملها، ويفكر بمعاناتها ويحتضن عطاءها ويساعدها لتتكامل الحياة بينهما، وهذا ليس كلاماً خيالياً، فالغيرة دون مبرر منطقي، هي نتيجة إحساس بالنقص وعدم الشعور بالأمان، ولا أدري كيف يمكن أن يعطي الرجل الدفء والأمان والقوة لأسرته وهو يفكر بهذه الطريقة!!
مسألة أخيرة أحب توضيحها وهي أن بعض الرجال يهابون الارتباط بالطبيبة اعتقاداً منهم أن شخصيتها طاغية ومتعالية ولن تقبل المشاركة، وبالمقابل يتطلع إلى الارتباط بها، أو يطلب يدها أشخاص دون مستواها العلمي والفكري اعتقاداً منهم أيضاً أنها ستقبل بهم خوفاً من أن يمضي قطار الزواج، وهذا مفهوم خاطئ جداً فالتكافؤ مطلب مهم لينجح الزواح،.... وأنا أسأل أين الرجال الأكفاء الواثقون من أنفسهم؟؟؟.. لماذا تسيطر عليكم عقدة التفوق فتبحثون عن الأقل؟؟....
ثق بنفسك أيها الشاب، لقد آن الأوان لتنمو وتكبر وتتحمل مسؤوليتك.