من السخف أن نتهم إسرائيل في التسبب بكل حالات القصور التي تعيشها أوضاعنا السياسية، ولكن من العمى عدم التمعن في النتائج التي رتبها قيامها على حياتنا.
إن التسلط الصهيوني على أرض فلسطين هو بيت الداء في جسم المنطقة العربية المعروفة بالهلال الخصيب، فإذا صح أن مجرد وجودها شكل ويشكل اهانة واضعافاً لكل العرب، فإن تفاعلات هذا الوجود طالت وتطال اولاً وبشكل مصيري لبنان وسوريا والأردن، فهذه الدول الثلاث محكوم عليها أن تتلقى قبل سائر إخوانها مفاعيل الوجود الإسرائيلي الأكثر إلحاحاً. صحيح أن الكل العربي تأثر بشكل أو آخر بولادة إسرائيل الدولة، إلا أن هذه الأقطار الثلاثة هي التي أصبحت في حياتها الخاصة والعامة تعيش أكثر من سواها، ولو بصورة مختلفة، النتائج المترتبة عن قيام إسرائيل.
بعض الدول العربية تفاعلت مع الزلزال الإسرائيلي بظاهرة الانقلاب العسكري الصريح، وأخرى بغير ذلك، ولكن لا أحد من مواطني دول المنطقة إلا ووجد نفسه امام تغيرات حدثت في وطنه لم تكن تخطر له في بال، ولم يشذ لبنان الموصوف في بيان استقلاله عام 1943بالوطن ذي الوجه العربي المستسيغ الخير النافع من حضارة الغرب عن القاعدة، اذ وجد نفسه هو ايضاً يعيش في حياته العامة وسط العمائم والقلانس كل غريب عجيب. فحتى اللغة التي يتعامل بها ساسته بعضهم مع بعض، اختلفت عما كانت في السابق، فمالت إلى التكفيرية المطلقة لكل مخالف في الرأي أو الاجتهاد السياسي.
بعض اللبنانيين يحمل المسؤولية في التغيير الحاصل في اللغة السياسية وفي التصرف لهذا الفريق وآخر يحمله لذاك، ولكن الجميع متفق على أن نوع الحياة السياسية قد تغير في لبنان ليس نحو الأحسن في رأي الكثيرين، والأمل في الرئيس الجديد والحكومة الجديدة أن يتفقا على أن بعث الجيد من ممارسات السياسة اللبنانية التقليدية قد يكون عين الصواب في تطويق المسار السياسي السوبر طائفي الذي تروجه سياسات العمائم والقلانس في الحياة العامة اللبنانية.
لا نعدو الصواب إذا قلنا إن المنطقة العربية بدأت تهتز نتيجة وجود إسرائيل وحدها كحقيقة رسمية على أرض فلسطين، خاصة وأن الشعوب العربية، ومنها الشعب المصري، اصبحت تعيش القلق الشديد تحسباً لأخطار ومفاجآت وحدانية الوجود الإسرائيلي الرسمي على أرض فلسطين، هذا في الوقت الذي لم يقصر فيه الفلسطينيون بدءاً بغزة عن اثبات وجودهم في وطنهم التاريخي، وكل المطلوب تفعيل حياة فلسطينية رسمية تمثل الوجود الفلسطيني على أرض فلسطين. إن المقاومة الفلسطينية موجودة هناك، ولكن النظام السياسي الناطق باسم فلسطين كوطن وشعب، غير موجود أن لم يكن كلياً فإلى الحد الذي يكفي لتعامل المنطقة المثمر مع فلسطينها الغائبة.
بقدر ما يبدو مستحيلاً في ميزان القوى العربية والدولية القائمة ازالة إسرائيل الدولة من الوجود، يبدو البديل الوحيد المتاح لعدم تحول ذلك إلى انهيار يهدد عروبة المنطقة وامن شعوبها ودولها هو اقدام الفلسطينيين ووراءهم العرب على إقامة وحدة الشعب الفلسطيني، انطلاقاً من جمع فتح وحماس وكل الفصائل الفلسطينية المبعثرة داخل فلسطين وخارجها في دولة ووطن فلسطيني نواته غزة والقطاع ومعالم فلسطين العميقة.
قد لا نكون مخطئين إذا قلنا إن الخطر الأكبر على الفلسطينيين ليس وجود إسرائيل، بقدر ما هو عدم وجود الكيان الجامع للشعب الفلسطيني على نحو ما سمي في وقت ما من الأوقات حكومة أو دولة عموم الفلسطينيين.
إن الفلسطينيين موجودون، ولكن اين فلسطين الدولة والكيان الناطق باسمهم والمولج بشؤونهم؟ ذلك هو السؤال...
لقد تحول الفراغ الرسمي الفلسطيني على أرض فلسطين، باستثناء غزة والقطاع، إلى خطر وجودي على القضية الفلسطينية في كل جوانبها، بل على إمكانية مساعدة الحكومات والشعوب العربية لها، فهل من يتحسس من الفلسطينيين والعرب خطر هذا الغياب؟
إن غياب العنصر الفلسطيني الرسمي في توازنات المنطقة يرجح كفة إسرائيل، إن لم يكن إزاء مصر، فإزاء شرق إسرائيل وشمالها العربيين، ويضعف الكيان العربي العام في الصميم.
ولعل أهم ما هو مفترض أن يفعله كبير العمل الفلسطيني الرسمي الرئيس محمود عباس (أبو مازن)، هو أن يشرح للعرب دولاً وشعوباً أن المنطقة العربية لا يمكن أن تحافظ على قدراتها في الداخل ومنزلتها في الخارج، إلا إذا امكن جمع الشعب الفلسطيني في ظل سلطة واحدة، وإلا فإن تفتت فلسطين على أرض فلسطين أو خارجها يؤدي على المديين القريب والبعيد إلى زعزعة أوضاع العالم العربي كله. فوجود إسرائيل قوية ومطلقة اليدين حالة لا يمكن للأمة العربية أن تتعامل معها بالرضى والتسليم. من هنا تأتي أهمية جمع صفوف الفلسطينيين والتعامل معهم ككيان وطني، حتى ولو لم يتيسر أن يكون لهم دولة أو وطن رسمي يتعامل معه القريب والبعيد.
نقول ذلك لنؤكد على أن دول الأمة العربية بغياب الوطن الفلسطيني الواحد قد لا تستطيع أن تواجه نتائج التشرذم الفلسطيني. فالفلسطينيون ينبغي أن يكونوا ويظلوا شعباً واحداً، حتى لو غاب الموطن الواحد والوطن الواحد.
من هنا تأتي أهمية تضامن فتح وحماس، فهما صورة الوطن الفلسطيني الواحد الذي كان دائماً قوة دفع هائلة ودائمة لوحدة العرب. إن عدم قيام الوطن الفلسطيني عجز، ولكن غياب الصف الفلسطيني الواحد تخل وطني فاضح وحالة يدفع كل عربي حيثما كان ثمنها.
كثيرون من العرب يعتقدون انه بعد فشل الفلسطينيين في إقامة وطن لهم مكتمل السيادة على الأرض الفلسطينية، خسرت فكرة القومية العربية جزءاً هاماً من ديناميتها وقوتها، لأن وضعاً خاصاً كانت تحتله دائماً الوطنية الفلسطينية داخل القومية العربية. فليست حركة التحرر الفلسطيني جزءاً عادياً من الحركة القومية العامة، بل كانت فلسطين شبه محور للقضية القومية أو مؤشر وجود أساسي. فلطالما اتخذت العروبة فلسطين التاريخية والجغرافية سبيلاً ومنطلقاً لوحدة الأمة العربية وتحررها وزخمها وحيويتها وصدقيتها، بل جوهر معناها في مواجهة الصهيونية ومخططاتها لابتلاع أحد أجزاء الوطن العربي الأقدس والأكثر رمزية للوجود القومي والرسالة الحضارية، وليست القدس اقل مقاماً في تاريخ الإسلام والمسيحية، مما هي لليهودية المتصهينة ومشروعها المضاد الذي يريد كل شيء من أمة واحدة هي الأمة العربية ووطن واحد هو الوطن العربي.
إن انحسار الوجود العربي عن فلسطين كان نكبة أكبر من أن يتحملها العرب كأمة، بل هو أكبر زلزال لحق بحياة العرب. فلو أن فلسطين بقيت عربية، لكان كل شيء مختلفاً عما هو الآن في أوضاع العرب حيثما كانوا.
نقول ذلك لأننا نعتقد أن الجسم العربي العام لا يتحمل خسارة الطابع العربي لفلسطين دون أن يتعرض هذا الوجود كله لأكبر الهزات. لا يمكن تصور فلسطين معدومة فيها الهوية العربية، وفي الوقت نفسه بقاء أوضاع العرب كما هي الآن في ديارهم.
الملح حالياً لوقف الانهيار هو تحصين وحدة الشعب الفلسطيني بالالتفات إلى منظمات هذا الشعب إلى حماس وفتح وغيرها من ممثلي هذا الشعب، فإذا كانت فلسطين الجغرافيا الرسمية بأماكنها قد بهتت، فلا بديل من أجل الحفاظ على الهوية والدفاع عنها، بل ومجرد تمثيلها إلا اللجوء لفلسطين السياسية، أي الأحزاب الناطقة باسم فلسطين، ملخصة مبدئياً وعملياً بفتح وحماس اللتين تمثلان، بل ويجب أن تمثلا وحدة الوطن الفلسطيني.
ليست فلسطين وطناً بلا شعب ليأخذها شعب بلا وطن، كما كان قد قال الفلسطينيون الأوائل عندما بدأت المؤامرة الانكليزية الغربية لتجيير فلسطين إلى الصهاينة.
وللآن وحتى لو كانت في وجهها كل مؤامرات دول العالم، فإن عروبتها وإسلامها ومسيحيتها تبقى في نظر اي شريف صادق في العالم، اصرح وانقى واقوى من أن تتخلى عنها أمتها العربية وكل محترم للحق والحقيقة.
إن العرب بحاجة إلى فلسطين حاجة فلسطين اليهم، وهم مع فلسطين اقوياء، وبدونها ضعفاء.
لا تستطيع المنطقة العربية تحمل عواقب عملية تهويد فلسطين، فذلك إن تم واستحكم أوهن الأمة العربية في الصميم وشلها عن القدرة على الوجود بالمعنى الصحيح وليس عن النهوض فحسب. من هنا تفرض عملية وحدة الشعب الفلسطيني نفسها ما بين فتح وحماس بديلاً وحيداً عن ضائع يصعب استرداده. ولا عذر أن غاب الوطن الفلسطيني الواحد والرسمي في أن تغيب ايضاً وحدة الشعب الفلسطيني. ذلك أن الأمة العربية بعد أن خسرت كثيراً من وزنها بغياب الوطن الفلسطيني المستقل الواحد، فإنها لن تتحمل ولو اختارت نتائج تفتت الفلسطينيين كشعب. فوحدة الشعب الفلسطيني حجر زاوية للبنيان البشري والمدني للأمة. وهو اشد الضرورات إلحاحاً لكرامة هذا الوجود العربي، خصوصاً بل ولقدرته على الصمود والاستمرار.
وتشكل فطنة الدولتين العربيتين الرئيسيتين مصر والسعودية على ضرورة حفظ وحدة الشعب الفلسطيني مظهر وعي قومي عربي مرهف على خطر تشتت الإرادة الوطنية الفلسطينية على وزن الأمة وكرامتها. فمؤتمر مكة المكرمة من جهة، وصحوة دولة مصر على جمع الفلسطينيين المجاورين لها مظهرا وعي عربي عميق على أهمية عدم خسارة وحدة الشعب الفلسطيني بعد خسارة الأرض.
وقد اجاد السياسي والمفكر الدمشقي المرحوم صلاح البيطار بتعريف الصهيونية بأنها ذلك النوع من الاستعمار الذي يريد لنفسه كل شيء من أمة واحدة هي الأمة العربية.
ولعل كل استعمارات العالم لم تنل من الشعوب التي استهدفتها مثلما نالت الصهيونية من أمة العرب بمسلميها ومسيحييها على حد سواء. فقد آذت وحدتهم بتوسطها بين آسيا وافريقيا وآذت الشعب الفلسطيني المسلم المسيحي، فأجلته أو كادت من دياره ورفعت علمها البغيض على الأرض التي درج عليها السيد المسيح عليه السلام وأسري فيها بالرسول محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم.
لقد شرددت الشعب الفلسطيني حتى لكأنها تعمل على أن تحوله غريباً في أرضه، لا تريد له فيها، لو استطاعت، موطأ قدم.
أخذت منه الأرض والوطن إلى حد بعيد، وإن لم تأخذ منه القرار.
لقد بقي الفلسطيني فلسطينياً شاعراً بفلسطينيته، شأنه شأن كل الشعوب العربية المتحسسة لهويتها. فكما السوري سوري، والعراقي عراقي، واللبناني لبناني، والمصري مصري، والمغربي والجزائري، كذلك هو الفلسطيني. وربما هو اشد في ذلك من غيره من العرب، بل إنه كان ويستمر واحداً من حجارة الزاوية في بنيان الأمة. ولكن الأمة معذورة أو غير معذورة، تعرف ولا تقدر، بينما الولايات المتحدة تتعامل مع إسرائيل على أنها الولاية الواحدة والخمسون.
لعل المجاراة الأمريكية للمخطط الصهيوني بفصل غزة عن سائر الوطن الفلسطيني الجغرافي التاريخي هي اسوأ ما تفعله الولايات المتحدة حالياً إزاء العرب، بما فيه تصرفاتها في العراق. فكأنها تقول لا فلسطين بعد اليوم، وإسرائيل ما قامت، بل ما سمح لها دولياً بالقيام، إلا لتكون عازلاً بين عرب أفريقيا وعرب آسيا... نقول هذا لا لنندد بالولايات المتحدة ومناصرتها اللامحدودة لإسرائيل، بل لاستعجال صحوة عربية على خطورة سلخ غزة عن سائر الوجود الفلسطيني. فواضح أن إسرائيل لا تريد غزة لأي نوع من أنواع وحدة الشعب الفلسطيني وسيادته وكرامته مقراً أو ممراً.