هل نحن متهمون في نظر أبنائنا وأسرنا بأننا "منزليون" أكثر مما يجب..؟ بمعنى أن الساعات التي نقضيها بالبيت بعد العودة من العمل تنطوي على فائض غير مستغل ترفيهياً؟
مهرجان الرياض للتسوق والترفية يوفر فرصة سانحة لطرح التساؤل التالي - ماذا نعرف من جغرافيا المدينة التي نعيش فيها -؟.. لا بد أن كل واحد فينا من سكان هذه المدينة المترامية الأطراف قد داهمته مرة أو مرات حالة من التو هان "الجغرافي" عندما يخترق بسيارته ضاحية جديدة من المدينة لم يطأها من قبل أو يشاهد معلماً جديداً.. كالأبنية الشاهقة أو مراكز التسويق العالمية فيسأله ابنه الصغير من مقعده الخلفي بالسيارة.. ما هذا المبنى يا أبي ؟ فيضطر لإعادة تفحص المعلم قبل أن يرد بقوله.. لا أعلم، لم يسبق لي أن رأيته.
نحن مطالبون أيضاً بنفي أو إثبات الفرضية التي تقول "سكان الرياض عصيون على الانجذاب والانفعال مع برامج الترفيه"- مهرجان الرياض للتسوق والترفيه الذي يشق طريقه للدورة الرابعة في صيف هذا العام 2008م وتحديداً خلال الفترة من الأول من يوليو إلي نهايته، يوفر فرصة كبيرة لإعادة الاكتشاف وتوفير الإجابة القاطعة لسؤال الطفل الذي ربما لن يضطر لتكراره في الموسم القادم إذا وفرنا له فرصة زيارة قسم لا بأس به من نحو 300فعالية انتظمت ضمن برنامج المهرجان لهذا العام.
ونعتقد بأن مدينة الرياض لم تكن بحاجة لهذا القدر من الانتظار لكن تبنى مشروعها الترفيهي الموسمي، لولا أنها مدينة متعقلة لا تتصرف بالعاطفة أو المحاكاة، ولم تكن بحاجة للتأكد من اكتمال انضمام المملكة لمنظمة التجارة العالمية لكي تختبر جاهزيتها لممارسة نمطها الترفيهي الخاص..، بل هي تملك الكثير من المقومات السكانية والاجتماعية والاقتصادية وفي إطار خصوصيتها المتفردة عن السياحات البديلة هنا وهناك.
مقومات وركائز:
المعطى السياحي الذي يقوم عليه مهرجان صيف الرياض كبير وراسخ، فهو من الشمول بحيث لا يغطيه مقال أو تقرير إعلامي محدود.. لكن المهرجانات بطبيعتها تكون سريعة الإيقاع وتكتفي بالقطفة الأولى من كل زهرة لأن مهمتها تنشيطية وتمهيدية لأهداف أبعد مدى منتهاها التأسيس لسياحة ذات لونية ومذاق خاص.
الرياض- تستطيع أن تقدم الكثير في هذا المضمار لأنها مدينة مكتنزة بالبدائل غير المكتشفة، ولذلك نتعمد تكريس هذا العرض على جانب واحد من جوانب الإفصاح هو المتعلق ببدائل التسوق في بيئة مشوقه ومرفهة- وسيكون من المثير إذا استطاع أخصائيو التسويق في المنشآت المشاركة بالمهرجان بناء خطابهم التسويقي بصورة تلائم وتتماهى مع العناصر التسويقية المستجدة واستثمار التحولات الاجتماعية والعمرانية والاقتصادية الضخمة التي تمر بها المدينة بصورة لا تخلو من الاحتراف وتنطوي على كثير من الجرأة والإبداع التسويقي.
تعالوا إذن ناحية الشباب الذين تكرس لهم دائماً جل الأنشطة الترفيهية المترافقة مع التسويق..، وهم مفعمون بالرغبة في التجديد والانطلاق ولا تعوزهم المعرفة بالموضة وموديلات الأحذية والتيشيرتات وكل متعلقات الثقافة التلفزيونية الطازجة والمعلبة..، ونعتقد أن الرياض قد استطاعت إلى حد كبير بأن تجاري مدن العالم في إقامة أحدث المراكز التسويقية وكثير منها يحمل الأسماء العالمية المشهورة ولا تقل عنها في المواصفات من الهايبرات، المولات، مراكز الرياضة والتسوق.. الخ، ومعظمها تشارك ضمن فقرات مهرجان الرياض لهذا العام.
وطالما أوجدنا المكان علينا إذن أن نتمعن في الملامح الشبابية- وقد سألت أحد الأخصائيين المتمرسين في فنون التسويق عن السر التسويقي وراء ظاهرة لبس "الكاب المقلوب"، على رؤوس الشباب في هذه الأيام فقال.. إن مثل هذه الظواهر نعتبرها من صميم اختصاص الاقتصاد السلوكي..، وهو علم يسعى إلى المزج والتكامل بين علم النفس والتسويق، فكما أن منشأ التمرد السلوكي الاجتماعي يقوم على المحاكاة السالبة أو الموجبة بين الأقران فإن المسوق النبيه يتخذ اشتقاقاته التسويقية أيضاً من هذه الظواهر.
وهناك دائماً فئة من الشباب ممن يتولون مهمة الإبداع والاختراع.. فهم بمثابة العامل المحفز الذي يقود الآخرين للتصرف التلقائي غير المفكر فيه بعمق.. وبهذه الطريقة يمكن أن ننظر لظاهرة لبس "الكاب بالمقلوب"، الذي لا يعبر في جوهره عن أي معاني أو وظائف يعتد بها كثيرا، لكنه في نفس الوقت يوفر معطى فعال لأخصائيي التسويق النابهين ليس لمجرد زيادة معدلات بيع هذا النوع أو ذاك من أغطية الرأس وإنما للنفاذ منها إلي استنساخ سلوكيات استهلاكية وآليات لفهم اتجاهات الطلب عموماً في أوساط الشباب الذين يشكلون نسبة 40% تقريباً من الخريطة الديموغرافية للسكان.
خصائص سكانية ومكانية
والرياض تتميز سياحيا إلى جانب اتساع المدينة بمقدار هائل من التنوع السكاني يمكن قراءته وتحليله من زوايا متعددة..،لغوية، ثقافية بما يشمل عادات الطعام والملبس والمسكن والمستوى المعيشي وغير ذلك من عناصر التسويق والترفيه الهامة، وقد اهتدت أمانة مدينة الرياض والهيئة العليا للمدينة إلى صيغ متناغمة للانسجام الاحتفالي في المناسبات الرئيسية كالأعياد الإسلامية ومهرجانات الصيف والمناسبات الوطنية الأخرى مثل مهرجان الجنادرية الثقافي..، كما أن الجاليات تشتق احتفالات ومناسبات مستقلة في مواسم ذات ارتباط بمواطنها ودولها الأصلية وكلها تصب في إطار خاصية التنوع التي تتميز بها الرياض.
أما الخصائص المكانية للمدينة فتتمثل أولاً في الاتساع الكبير للمدينة وامتداداتها الريفية التي تشكل مجتمعة حديقة خلفية نابضة بالحيوية لمركز المدينة الأم.. تربطها بها طرق سلسة الحركة عامرة بما تنقلها من المنتجات الزراعية والحيوانية والصناعية.. كما تدب حركة الناس ذهاباً وإياباً محمولة ومجبولة على عرى المحبة والاحترام والتواصل الاجتماعي القائم على وشائج القربى وعلاقات العمل والتآلف المرتكز على أرضية قيمية وأخلاقية راكزة.
وإذا كنا نتحدث هنا عن مشروع افتراضي لسياحة وليدة في مدينة الرياض على خلفية انطلاق فعاليات مهرجان الرياض للتسوق والترفيه، فإن أحد أهم ركائز هذه السياحة بخصوصيتها وتفردها يتمثل في مقدار الانسجام الاجتماعي بين هذا التنوع الفريد - فهو السند لاستشعار الأمن والطمأنينة على الرغم من التدفق السريع والمتزاحم لحركة الناس والأشياء دخولاً وخروجاً يتبادلون عبارات الود والسلام في حشمة بالغة يغضون الطرف في وقار وإيثار.
نعم،.. إن ذلك من النتاج ألقيمي الذي يعبق أجواء المدينة ومراكزها وطرقاتها ودوحاتها العامة العامرة بكل ألوان الطيف السكاني في أمسيات المدينة المعتدلة المناخ في اغلب أيام السنة.
هل ننتقل الآن إلى مرفأ آخر من مرافئ السياحة الافتراضية لمدينة الرياض..؟ تعالوا إذن إلى شمالها حيث العمران الفاخر الكثيف - إنها تبدو كما الوجه المعبر عن معطى الحداثة ومعالم التقنية بواجهات المعارض المضاءة بكثافة ولمعان، وبارتفاعاتها الشاهقة.. حيث استطالت عمارتا المملكة والفيصلية اللتان تطلان كشاهدين على المدينة الخلابة.. وتتخلل هذه الضاحية كما غيرها من ضواحي المدينة منظومة متناثرة من الخدمات التسويقية بعضها في صورة مجمعات متنوعة الأغراض، وبعضها يميل إلى التركيز والتخصص في مراكز فاخرة الأعداد والتجهيز.. وكلها تشكل بدائل لا غني عنها لروادها في أمسيات المدينة.. ثم نتجه شرقاً فغرباً وجنوباً إذا رغبنا في المزيد من التنوع الذي يصعب إدراك منتهاه.