لم يكره العالم أمريكا وشعبها بسبب ثرائها وتقدمها العلمي والفكري ، لأنها في كل يوم تقدم فتحاً جديداً في الفضاء، والاتصالات ، والطب، وكل ما يتعلق برفع مستوى الإنسان، لكنهم كرهوها لأسباب سياسية عندما حاول القائمون على السلطة جعل العالم مجرد مسرح صغير لمغامرات غير محسوبة النتائج، ووضع إسرائيل في لائحة أنقى شعوب وأكثرها تدليلاً ورعاية تستدعي عند وجود أي خطر عليها إعلان حالة الطوارئ في كل مؤسسات الجيش الأمريكي وقواعده..
وحتى نضع أمام الرأي العام كيف حدثت تحولات مضادة لكل ما هو جيد وجميل في الوجه الأمريكي، قامت جامعة (ماريلاند) الأمريكية بعمل استفتاء شمل عدة دول عما تمثله إسرائيل من خطر على المنطقة، والمفاجأة أن جميع من شملهم الاستطلاع اتفقوا على خطورتها على الأمن العالمي، والأكثر غرابة أن الأمريكيين تمنوا على حكومتهم اتخاذ مبدأ الحياد في الصراع في المنطقة، وهو ما يتجاوز الأفكار القديمة عندما كانت الحقائق تغيّب عن العالم بسبب المهنية الدقيقة في التضليل الإعلامي وتحويل الحقائق إلى ضدها..
قد لا يكون مثل هذا الاستفتاء وسيلة تغيير في السياسة الأمريكية، ولا المواقف الإسرائيلية، لكنه مؤشر في تحول الآراء لقطاع كبير من الشعوب، استطاعت وسائل الاتصال في "الانترنت" والفضائيات تغيير القناعات، وقطع المسافة بين الأبعاد الجغرافية وتواصل الشعوب مع بعضها، وهي منجزات أمريكية في الغالب، ومع ذلك جاءت كوسائل لتصحيح المفاهيم حتى في السياسات التي قد لا تهم الشعب الأمريكي، لولا أن أخطاء سلطته هي التي جلبت هذا التراكم من نقد حاد موجه لسلوكياتها..
عملية تساوي الجلاد والضحية في زمن زوال الحواجز، لا يمكن أن تستمر، وهذا ما حدث من خلال منظور أفراد وشعوب قالوا ما يعتقدون ويفكرون به، وإذا كان الاتجاه العام أنه لا ديمومة للعداء أمام تنامي الوعي، فإن طريق السلام هو نقطة الالتقاء، ولا يوجد من يكره شعباً لعقيدته، أو نظامه، إلا إذا كان موجهاً ضد شعوب أخرى، وساسة أمريكا، هم من أغرقوا، وطنهم بقيم مضادة لهم، ولعل الانقلاب الذي حدث من خلال الاستفتاء قد يكون انذاراً جديداً، وحتى لو جاء متأخراً، فهو حدث غير عادي في مواجهة إسرائيل، التي رسخت عند المواطن الأمريكي أنها الحمل بين أنياب الذئاب العرب، بينما من يشاهد أحداث غزة والضفة يفهم حقيقة هذه الدولة الوادعة..
تحدث الكثيرون عن الفاصل الزمني في تحقيق السلام في المنطقة، وحتى من بين الإسرائيليين من قدم نصائحه بأن الجغرافيا لا ترحل أو تزال، وأن الجوار مع العرب حقيقة ثابتة وأن طرق الموت ليست دائماً هي نقطة العبور للسلام، وحتى أمريكا، الجناح العسكري والمادي لإسرائيل، لابد أن ترى مختلف العوامل المؤثرة على المنطقة، واضفاء صيغة الدولة الأكثر التزاماً بالأمن الكوني، ولعل مظاهر ما يجري الآن في تحولات الناس ضد مشاريعها السياسية يعطي حقائق بأن المنطق يفرض تغيير اتجاهاتها، خاصة ونحن نشهد رغبة عربية في السلام بشروطه المتساوية، بدلاً من أفعل التفضيل المتجه دائماً لإسرائيل حتى لو كانت على خطأ..