إننا نطالع وبشكل مستمر على صفحات الجرائد الوضع الذي وصل اليه الخليج من الإشكالات الاجتماعية، الأمنية والاقتصادية المعقدة والمرتبط بعضها ببعض. فهل هناك من يقف خلف هذه المشاكل بالدعم والتحفيز؟ أم أن الظروف العامة والمحيطة هي المسئولة عن كل ما يحدث؟ علما بأن هذه المشاكل كثيرة ومتنوعة، فتمتد من تفشي البطالة ومشاكل استقدام الأيدي العاملة وما يصاحب ذلك من تهريب المخدرات ومروجي الخمور ومخالفي نظم الإقامة، إلى اضطرابات الأسواق من الارتفاع غير المسبوق في أسعار كل شيء يحتاجه الفرد من المأكل والملبس والمشرب والإيواء. وفوق كل ذلك تفشي ظاهرة بطالة المتعلمين وحاملي الشهادات في الوقت الذي لا يمثل المواطن القادر على العمل في مقارنته بعدد الوافدين إلى اقل من 50% في بعض المناطق. وباستثناء الوظائف الإدارية في القطاع الحكومي فإن جميع الوظائف الفنية والمهنية هي واقعة تحت سيطرة العمالة الوافدة بدعم يبرره رجال الأعمال كما نشر في جريدة "الرياض" ليوم الثلاثاء 27محرم 1429في مقال بعنوان صناعيون يبحثون مع "العمل" تخفيض نسبة السعودة في المصانع المحلية خصوصا "عدا عن تلك المهن التي يعتبرها مواطنو دول مجلس التعاون الخليجي إما أنها وظائف وضيعة أو أنها لا تدر إيرادا يكفي لتكوين أسرة كما يأمل ذلك المواطن الخليجي. وما يعتبر مصدر حزن من وجهة نظري للشباب الصاعد العاطل عن العمل أو من انعدام الفرص ليجد نفسه يعمل في نطاق الأسرة مما لا يوفر له الضمانات الكافية كفرد أو إذا فكر في تكوين أسرة مستقبلا هو ما نشر في الصحف المحلية في 26جمادي الآخرة من أن هناك دراسة إنشاء جهاز لتنظيم شؤون العمالة الوافدة برئاسة وزير العمل والذي يؤسس إلى توطين العمالة الوافدة وإعطائها من الحقوق ما يفوق حق المواطن، في الوقت الذي نتطلع فيه إلى إنشاء جهاز لضمان حياة كريمة للشباب الذين لا تزيد رواتبهم عن 2000ريال شهري مثل العاملين على صناديق المحاسبة في الأسواق أو حراس الأمن. والسؤال لماذا نحتاج عمالة وافدة أصلا ؟؟ ثم لماذا لا تحول المبالغ التي تصدر من قبل هذه العمالة للخارج في شكل عملة صعبة إلى دعم الشباب ؟؟ لكي يستطيعوا أن يكونوا اسرا ويوطنوا الأعمال والمهن مثلما ظهر وزير العمل في زي مضيف في مطعم تحت شعار "لا مهنة وضيعة" ولم يتطرق احد إلى حقيقة أن هناك دخلا وضيعا خصوصا في ظروف اجتياح موجة الغلاء على كل شيء حتى رد التحية. إن هذا المقال يناقش تأسيس نظرية إخراج الخليج من الزاوية المظلمة والمأزق الذي حشر نفسه فيه بمحض الصدفة. ولهذا فإن خيار الإحلال لم ينجح طوال السنوات السابقة، وعلى العكس كانت الزيادة في الطلب على العمالة الوافدة قد تضاعفت تقريبا في الوقت الذي تتفاقم مشكلة البطالة خصوصا بين المتعلمين وحاملي الشهادات من الجنسين الذكور والإناث. وكلما زادت حدة التضخم مع ارتفاع مستمر في التكاليف سوف يرتفع الطلب على العمالة الأقل كلفة وهو ما يحفز على الاستقدام وزيادة في عدد الوافدين يؤيد ذلك تنازل وزارة العمل عن تحديد سقف السعودة في بعض القطاعات، وبتراكم هذه التفاعلات سوف يصل الاقتصاد في يوم ما إلى مرحلة توقف العجلة للدخول في مرحلة كساد الله اعلم بحدته وآثاره. وقد كتب د. الزبن مقال بعنوان البطالة بين السعوديين مرتفعة وفق المقاييس العالمية وهي وراء تورط المتعلمين بجرائم اقتصادية وذلك في صحيفة "الرياض" يوم الخميس 27شوال 1428ه - 8نوفمبر 2007م - العدد 14381حيث يقول لقد أثبتت البيانات أن إسهام العمالة الوافدة في قوى العمل يفوق قوى العمل السعودية، فقد بلغ حجم قوى العمل السعودية في عام ( 14001401ه) نحو (1.527) ألف عامل، وبمتوسط نمو سنوي (2.5%)، وفي نهاية الخطة التنموية الخامسة (141415ه) ارتفع عدد العاملين غير السعوديين، إذ بلغوا (3.945) ألف عامل، كما انخفضت نسبة نموهم لتصل إلى (2.6%). وفي عام (221423ه) استمرت أعدادهم في الارتفاع فبلغت (4.313.7) ألف عامل، وأما نسبة نموهم السنوي فارتفعت إلى (3.8%. ) وعندما يقرأ القاري تعليقات السعوديين على المقال في الشبكة العنكبوتية تستشعر قلق وخوف وإحباط الكثير من قراء المقال. وقياسا على الدراسات التي أشار إليها الدكتور إبراهيم محمد الزين رئيس قسم الاجتماع بجامعة الإمام، يمكن قياس منطقة الخليج فهي وان أظهرت فوارق في نواحٍ إلى أنها تظل تحت نفس الشعار.
المأزق الاقتصادي:
يعد الخليج نموذجا فريدا في أساليب تحقيق الطفرة، وها نحن نواجه موجة غلاء (تضخم) غير مسبوق من أكثر من ثماني عشرة سنة. ولما كان التضخم يعرف بأنه الارتفاع العام في أسعار السلع والخدمات مع ارتفاع في سعر الفائدة والضرائب غير المباشرة فإنه يقرأ من جهة أخرى بأنه انخفاض في القوة الشرائية للعملة، وما لم يصاحب هذا الارتفاع نهضة حقيقية تؤدي بطبيعتها إلى ارتفاع في الدخول تتناسب وهذه التغيرات السعرية، فإن تردي الأوضاع الاقتصادية لمتوسطي ومحدودي الدخل ستكون حتمية وسيظهر مجموعة جديدة وكبيرة من الفقراء والمعوزين لتشكيل طبقات اجتماعية جديدة. وعندما برر أن هذا الارتفاع هو ارتفاع مستورد، فإن ذلك يقرأ بأن المجتمع لا يستطيع أن يقرر ما سيؤول عليه وضعه الاقتصادي في اليوم التالي، ذلك أن المستقبل سيكون مصدرا لنا ضمن السلع والخدمات المستوردة، فيصبح المجتمع غير قادر على رسم سياسته الاقتصادية المستقبلية. كذلك فإن احتمالات دخول الاقتصاد العالمي في ركود متفاوت المدى سيمتد أثره ليصل إلينا ولكن أكثر ضراوة وأطول أمدا، كما ان الآثار غير المباشرة الناتجة من اتحاد عناصر الإنتاج بشكل غير معلن قد يؤدي إلى نكسة وركود حتمي نتيجة للارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات واحتمالية وصولها إلى مرحلة تشجع تزويرها. وهذه النتيجة طبيعية في ظروف واقع جعلت من عناصر الإنتاج برمتها هي عناصر مستوردة، وان العنصر الوحيد الذي قد يوصف بأنه وطني 100% هو عنصر رأس المال، والذي بدوره سوف يستهلك نتيجة لأعمال الصيانة على الآلات والمعدات. إذا لم يتبقَ أمامنا إلى الزراعة والماشية، ولم نستطع أن نستثني من هذه الأخيرة إلا منتجات النخيل، حيث أن الشركات الزراعية هي معتمدة في جميعها على العنصر الخارجي بما في ذلك الأبقار ومنتجاتها. وحتى ان منتجات النخيل تحت الظروف الحالية أصبحت واقعة تحت ممارسات وضغوط العمالة الوافدة لفناء خبراء جني التمور والعناية بالنخلة السابقين، ولم يسلم من ذلك أصحاب الماشية بأنواعها حيث ان الرعاة أصبح معظمهم من العمالة الوافدة أيضا، إلى الدرجة التي أصبحت فيها سباقات الهجن تقام دون الاستغناء عن أطفال من العمالة الوافدة. وعندما أقر في مجلس التعاون الخليجي نسبة القيمة المضافة لكي يعتبر أي منتج خليجي هو وطني ويتميز بالإعفاء الجمركي وحددت نسبة الإضافة ب 40%، والتي لو دققت فيها فلن تصل إلى أي منتج يحقق هذه الدرجة من الإضافات الوطنية. وعلى هذا الأساس لا يمكن لنا الخروج من هذه الدائرة المغلقة إلا بالتركيز على توطين عناصر الإنتاج إما بتهيئة المناخ المناسب لنشوئها أو خلق هذه العناصر بشكل صحيح.
من يقف وراء تعميق حدة هذا المأزق:
لا شك انه لا يوجد شخص بعينه يشجع ويدعم ما آلت إليه الأمور، وما ستؤول إليه في المستقبل، فليس من المتوقع في المستقبل المنظور أن نرى صوالين الحلاقة يقوم عليها مواطنون، ولا مراكز تظهير الصور والمصورين، عدا عن السباكين والمبلطين وسائقي النقل المدرسي والليموزين وعمال البناء التي يسيطر على سوقها العمال الوافدون بنسبة تصل إلى 100% في معظم المناطق في الوقت الذي نجد فيه الفئة المتعلمة من المهندسين وخريجي الحاسبات والعلوم النظرية وغيرهم كثير الذين يبحثون عن فرص كما أشار تعليق الانترنت في صحيفة "الرياض" والذي يجعل حملة الشهادات النظرية أو الشهادات الثانوية من أكثر الباحثين عن فرص عمل تحقق لهم الاستقرار والأمان. إذا علينا أن نبحث عمن يقف وراء هذا الإشكال ومن يزيد في حدته ؟؟ لا يمكن أن نختلف على أن أي فعل أو تصرف له رد فعل مماثل أو نتيجة معينة بغض النظر عن حجمها. فإذا أمطرت السماء على من هو واقف في العراء فإن ثيابه سوف تبتل، ومن وضع أناء فيه ماء على النار فسوف تصل حرارة ما في الإناء إلى درجة الغليان. فإذا كانت هذه النتائج الطبيعية للعوامل المواتية للحدث مقبولة من الجميع ولا يعترض عليها احد من العقلاء إذا توافرت، إذا يجب أن تكون هناك ظروف وعوامل توافرت لوصولنا إلى هذه المرحلة التي نعيشها، وإذا كان البحث عنها غير ذي جدوى أو لا يمكن التوصل إليه أو نتائج البحث لن تكون دقيقة، فإن علينا على الأقل أن نغير من الظروف المواتية لكي نرى مدى التغير على النتائج. من المؤكد أن حكومات الدول الخليجية لم تدخر جهدا للمساهمة في الحلول إلا أن النتائج وكما وصف التقرير المشار إليه وغيره من التقارير أن الآثار لم تكن ملموسة بشكل واضح حيث يركز المسئولون في وزارة العمل السعودي على حث رجال الأعمال على تدريب السعوديين على الأعمال الفنية، كما انشأ صندوق لدعم الذين يوظفون سعوديين وهذا أيضا لم يفتح باب الأمل على المنظور القريب ولم يلوح بانفراج في آخر النفق كما أوردت جريدة "الرياض" في عددها رقم 14345يوم 3أكتوبر 2007حيث اعتبرت الوزارة أن أهمية التدريب في معالجة هذه الظاهرة تكمن في سن نظام العمل للأحكام المتعلقة بالتدريب والتأهيل.. وفقا لنص المادة الثانية والأربعين التي خلصت إلى (أن على كل صاحب عمل إعداد عماله السعوديين وتحسين مستواهم في الأعمال الفنية والإدارية والمهنية وغيرها بهدف إحلالهم تدريجيا في الأعمال التي يقوم بها غير السعوديين وعليه أن يعد سجلاً يقيد فيه أسماء العمال السعوديين الذين أحلهم محل غير السعوديين بحسب الشروط والقواعد التي تحددها اللائحة) وإذا اعتبرنا أن التدريب والتأهيل هو جزء لا يتجزأ من التعليم العام أو التعليم المهني والتدريب المستمر لماذا لا تقوم بذلك الجهات المختصة من القطاعات التعليمية بشكل يتناسب وواقعنا المعيشي وما يتوافر من ظروف محيطة من أجهزة وغيرها واحتياجات كافة المواطنين، ومن ناحية أخرى إذا كانت هذه الصناعات هي أعمال مربحة ومجدية وتدر دخلا يؤمن للمواطن الذي يعمل بها حياة ميسرة وتكفيه لإعالته وأسرته بشكل يتناسب والأوضاع الاجتماعية للطبقة المتوسطة من أفراد المجتمع لماذا لا تقوم وزارة العمل بإنشاء هذه القطاعات وتوظيف خريجي المعاهد بكافة تخصصاتهم، وبهذا يكونوا مطمئنين بأن هناك دخلا مضمونا سوف يكفيهم وبالتأكيد سوف ينخرطون لأي مهنة دون تردد، كما أن تحديد ساعات العمل سوف يكون حافزا مشجعا لهم، وإذا ربح هذا القطاع فلن يحسده احد على هذا الكسب بل يجد من يهتف له بالشكر والثناء. واني لا أرى مشكلة إذا تم تعيين الخريجين من معاهد الحلاقة أو الخياطة في محلات تعود ملكيتها للقطاع العام، ويكون لهم رواتب مجزية تؤمن لهم حياة طيبة، وكذلك سائقي نقل الطلبة والطالبات.
هل ضمان الراتب مدعاة للتهاون وعدم أداء الواجب؟؟
أثبتت التجارب طوال السنين العديدة الماضية أن رأس المال الخليجي يشكل صورة جيدة لنظرية جبن رؤوس الأموال الاستثمارية. وهذا هو السبب وراء إحجام المال الخليجي عن الدخول في أي استثمارات ترتفع فيها نسبة المخاطرة حتى ولو كانت ذات نتائج مستقبلية بل وابسط من ذلك رفع سقف التكلفة، بل وحتى التنازل عن شيء من الربح، وهذا ملموس من سلوكيات الأعمال أخيرا. وعلى هذا الأساس فإن تطوير المهن والحرف لن يتم بشكل سريع ما لم يتبنى قطاع غير هادف للربح هذه البرامج ويدعمها بضمان دخل ثابت للمواطن من أصحاب المهن أو توظيفهم بأسلوب يضمن قيام هذه الفئة بالعمل على الشكل المطلوب واللائق لكونه مطمئناً على مستقبله ومستقبل أسرته. ولو كان ضمان الراتب هو المؤسس لسوء الخلق وتفشي ظواهر العمل والإنتاج، لتم تعطيل جميع المرافق الحكومية في كافة الدول ومن بينها الجيش، الأمن الصحة والتعليم والجمارك وهيئات الضرائب وغيرها بحجة أن أي موظف لن يقم بأداء عمله. ويؤكد وجهة نظري ما نلاحظه في الآونة الأخيرة قبول المواطنين لوظائف ذات رواتب ليست بالجيدة مع طوال ساعات العمل مثل الحراسات الأمنية، وموظفي الآلات حسابات الزبائن في المحلات التجارية وغيرها، (وهذا الاستشهاد لا ينصرف بمفهوم تأييدي لهذا الاتجاه المجحف في حق الشاب السعودي) ورغم كل ذلك يظل هناك الكم الأكبر لم يستطع الاستحواذ على المهن التي انفردت بها العمالة الوافدة. وان هذا الاستحواذ لن يتم ما لم تخلق أدوات وظروف تغير في ميزان هذه القوى ينتج عنه انخفاض المعروض من الوظائف والمهن للعمال الوافدة يؤدي إلى تدني أجورها إلى الدرجة التي تجعل من وجودها تحت هذه الظروف غير محفز لها للاستمرار. وكمحصلة نهائية سينخفض عددهم بشكل كبير وملموس مما ينعكس بطبيعة الحال على حجم الطلب على السلع والخدمات والسكن ويؤسس لتوازن اسلم وأقوى لأسعارها مع قدرة مالية أفضل للمواطنين مما هي عليه. وعليه فإن الاطمئنان الحاضر على دخل ثابت مؤكد ومستقبل يؤسس لراتب تقاعدي للمواطن ومن يعول هو الركيزة الأساسية في وجهة النظر هذه. وان ما سوف يدفع من مرتبات للمواطنين سيكون أكثر ايجابية على الاقتصاد الوطني من تحويلات العمال الضخمة أو إنشاء صناديق دعم للقطاعات التي توظف السعوديين. وعند وصول هذا المهني إلى قناعة أن بإمكانه أن يستقل بعمله ويتحمل تبعاته ويخصصه لنفسه فيكون المجال مفتوحا أمامه ويدعم لبلوغ هذه الغاية. وهذه الحلول تضمن القضاء على البطالة والقضاء على الآثار السلبية الناشئة عنها من وجهة نظري وبالتالي لن يكون هناك حاجة لسن القوانين والأنظمة لتنظيم شؤون العمالة الوافدة لانتفاء الحاجة لها أصلا. واني اعتقد أن ما ورد في صحيفة "الرياض" تحت عنوان مخاوف من موجة غلاء جديدة للسلع التموينية.. ومطالب بإحكام الرقابة "الأرز" يقفز مجددا.. و"مؤشر الأسعار" يكشف عن فوضى في التسعيرة.
لن يكون له اثر لما سوف يتحقق من تغير في التركيبة السكانية وعدد السكان .
محاسب قانوني ومستشار إداري