أبيعك ولا أستحي.. أبيعك ولا أخجل..!! قالها لنفسه. ثم تابع: حملتك أربعين عاماً على ظهري، وفي قلبي، وفي زوايا عقلي، فلم أربح منك إلا الرهق، والتعب، والخسران المبين..!! ماذا جنيت منك.. ماذا أفدت.؟! لا شيء..
وإذا كان للناس مشاريعهم الناجحة. فقد كنت مشروعي الفاشل..! وإذا كان النجاح، والفشل حقائق وأرقاماً. فقد كنت رقماً خاسراً في صفقة النجاح.. فالذين قذفوا بك في أقرب "تنكة" هم الذين نجحوا، وعاشوا وارتاحوا، وشبعوا من متع الحياة، وأخذوها عرضاً وطولاً.. أما الذين حملوك مثلي فهم مثل سيزيف الذي ظل حاملاً صخرته على ظهره إلى أن مات.
لقد كنت أنت خطيئتي التي يصعب غفرانها، وغلطتي التي لا يمكن تصحيحها.. وحتى التصحيح لو أتى فإنه سوف يأتي متأخراً.. وسوف تكون نتائجه محدودة، ومحدودة جداً، وستظل فرص النجاح شحيحة.. العجيب أنني لست أدري لماذا أقنعنا أهلنا، وأساتذتنا، ومجتمعنا بحملك.. مع أن أغلبهم لا يرغب في حملك. ولا يطيق أن يراك. بل لا يطيق أن يسمع اسمك..!. هل كانوا خدعونا لتنطلي علينا الحيلة. فنحملك بالنيابة عنهم، ثم نتعذب بالنيابة عنهم أيضاً؟!
الغريب أنني أشعر بفخر وأنا أنوء بأثقالك، وأعتبر نفسي بطلاً، وشجاعاً، وإنساناً نادراً.. كنت أصدق حكاية الخيول الأصيلة، والصقور الأصيلة، والجمال الأصيلة أيضاً..!!
لقد قالوا لنا إن حملك شيء عظيم، وثمين.. والحق أنني لما أر في حملك إلا عظامي المهشمة. وظهري المكسور.. وقالوا في أساطيرهم، ووصاياهم، وحكمهم أنك أثمن من الذهب، والماس، وهذا ما أغراني بأن أذهب بك إلى سوق المجوهرات النادرة..
وسرت وأنا أشعر بكثير من اللذة، والمتعة، والفخر.. وقلت في نفسي أي ذهب، وأي جواهر يمكن أن تبلغ ثمنك.؟! لكنني حين عرضتك بشيء من التباهي على ذلك "الجواهري" العارف بأنواع الأحجار الكريمة، ضحك في وجهي، واتهم عقلي... قلت أذهب بك إلى الصيرفي صاحب الذهب والفضة. ولكنه ازدراك، وازدراني معك. فقلت أذهب بك إلى صاحب البنك. لكنه كشر في وجهي، وطردني شر طردة.. ذهبت بك إلى الحداد فهددني بمطرقته.
أما البقال فقد ضحك حين رآك حتى كاد يستلقي على ظهره..
ذهبت بك إلى سوق الأغنام فسخر الغنامون مني.. قلت أذهب إلى سوق الحمير.! ولكنهم حين رؤوك قالوا عنك: إنك ضعيف، وضئيل، وهزيل، ولا تنفع لشيء. بل إن من يشتريك. سوف يتورط في إطعامك، وسقايتك...
قلت أذهب بك إلى أصحاب القلم، أذهب بك إلى الكتاب، فقد يكونون هم من يقدرك خير تقدير ويعرفك حق المعرفة. لكنني حين ذهبت إليهم اعتذروا بلطف وقالوا: نأسف كثيراً لأن الناس لم تعد تطيق اليوم سماع شيء اسمه الضمير..!!