قدم المدرب الأسباني العجوز لويس اراغونيس ( 69سنة) لوطنه مجداً جديداً وللملاعب الأوروبية والعالمية فريقاً يسرق الاعجاب بعروضه الأخاذة ومستويات رفيعة سيطر فيها منتخب (الماتادور) على أجواء يورو 2008م طيلة مشواره في البطولة التي استضافتها سويسرا والنمسا وتوَّجها بقيادة فريقه لاستعادة أمجاده ولقبه الغائب منذ (44) عاماً ودعم المدرب المخضرم ذلك النجاح التاريخي لبلاده بمكاسب أخرى شرفية خرج بها الأسبان من النسخة الأوروبية الـ 13عندما انتزع مهندس الوسط (خافي هرنا نديز) بكل جدارة جائزة أفضل لاعب في نهائيات البطولة بجانب هيمنة اللاعبين الأسبان على قائمة التشكيلة المثالية ليورو 2008م بدخول (9) منهم ضمن لائحة أفضل (22) لاعباً في البطولة.
وكان آخر تلك المكاسب تصنيف المنتخبات العالمية لشهر يونيو الصادر من (الفيفا) أول أمس ووضع أسبانيا في المركز الأول على مستوى العالم لأول مرة في تاريخها.
لقد قاد المدرب (اراغونيس) كتيبة المقاتلين الأسبان إلى هذه النجاحات الرائعة بفضل الاستراتيجية الفنية التي وضعها لمنتخب بلاده في هذه البطولة.. وفرض ايقاعه بقوة.
كما أشار قبل المباراة الختامية بفضل تمتع أفراد فريقه بالقوة الذهنية منذ فترة طويلة اكتسبها من مشاركته بمعظم عناصره الحالية في المونديال الأخير - قبل عامين - فضلاً عن تأكيده للاعبيه: "ان لعبهم بطريقة جيدة لا يكفي بل يجب ان يقاتلوا"! وكان أكثر ما أثار اعجاب المتابعين قدرة اللاعبين الأسبان على التحرك بسرعة والاعتماد على تمرير الكرة بطريقة سريعة في ملعب وعمق الفريق المقابل.
ورغم افتقاد المدرب العجوز هداف فريقه وكبير هدافي كأس الأمم الأوروبية الثالثة عشرة ديفيد فيا ( 4أهداف) جراء إصابته في الدور نصف النهائي وغيابه عن المباراة الختامية.. إلاّ ان ذلك لم يؤثر على عزيمة وطموحات المدرب المخضرم الذي دخل في تحد آخر قبل البطولة مع الجمهور الأسباني برفضه ضم المهاجم الشهير "راوول".. لادراكه ان الاعتماد على لاعب واحد بات أسلوباً عقيماً ومخاطره جسيمة تكلفه الكثير.
هنا تجلت حنكة (اراغونيس) الذي كسب التحدي في النهاية وأظهر براعته في قراءة أسوأ الاحتمالات التي قد تواجهه في مشوار البطولة وتميزه في قدرته على التفاعل والتعامل الايجابي مع المستجدات الطارئة عند غياب اللاعبين المؤثرين جراء إصابة أو ايقاف.. حين منح الفرصة للاعب البديل (فابريغاس) فأثبت جدارته ونجح في مهمته الأولى وكان عامل حسم في الفوز على روسيا في الدور قبل النهائي (3/صفر) عندما صنع الهدفين الثاني والثالث.
أما (نحن) فإذا أصيب "ياسر" مثلاً قلنا: "يخلف الله على منتخبنا وآمالنا في البطولة"!!
ان مفهوم كرة القدم الحديثة يتطلب التحرر من عقده النجم الأوحد وركائز النجاح تقوم على تضافر جهود وعطاءات وروح 11لاعباً تفرض قوة شخصية الفريق الفنية داخل المستطيل الأخضر.. وهو ما قدمه الأسبان فقد امتعونا بوجود حراسة مطمئنة في حضرة العملاق (كاسياس) الذي ترك بصمات تاريخية في البطولة وبخاصة أمام إيطاليا بتصديه لركلتين ترجيحيتين نقلت فريقه للدور نصف النهائي.. فضلاً عن الأداء الجماعي المنظم لزملائه وتمريراتهم الأرضية المركزة وسط الملعب بلمسة واحدة..
بجانب تحركاتهم السريعة في ملعب الخصم والانطلاقة بخفة ورشاقة وجرأة هجومية دون الركون للدفاع وهو ما ارهق خصومهم وقادهم في النهاية لتحقيق إنجازهم الحلم بعد 44عاماً من الانتظار على يد مدرب عظيم قرر قبل انطلاقة البطولة ترك منصبه للعمل في تركيا.. وبتحقيقه الكأس كسب التحدي ولجم أفواه كل منتقديه لاستبعاده رؤول الأسبان!