شهدت السنوات الخمس الماضية عدداً متزايداً من الدراسات الروسية، التي تناولت علاقة روسيا بالمملكة العربية السعودية. وخلافاً للأبحاث القديمة، بدت المقاربات الجديدة للخبراء الروس وقد صبت تركيزها على السياق الثنائي لهذه العلاقات، في أبعادها الاقتصادية بالدرجة الأولى.
ورأى الباحثون الروس أن السياق الاستراتيجي، الإقليمي والدولي، للعلاقات الروسية السعودية يمكنه أن يغدو إطاراً معززاً للمضمون الثنائي وليس بديلاً عنه، كما أن هذا الإطار لا يفترض به، في حال من الأحوال، أن يصبح مقيّداً للتفاعلات ثنائية الطابع، ولا يرمي بأية تداعيات سالبة عليها.
وفي مقولة "الإطار المعزز"، يشير الباحثون الروس إلى قضايا موضع إجماع بين الطرفين، كتلك المرتبطة بالأمن الإقليمي، وجهود حظر الانتشار النووي، والتعاون في المؤسسات الدولية، وتعزيز حوار الحضارات.. الخ.
ويرى هؤلاء الباحثون أن وضع البلدين كقوتين نفطيتين أساسيتين على الساحة الدولية، يثير قدراً من التحدي، بقدر ما يهب مزيداً من الفرص، يمنح فسحة من اللقاء والتعاون المشترك، الذي يتجاوز الإطار الثنائي ليلامس أمن الطاقة العالمي بصفة عامة. ويبدو لافتاً اليوم أن غالبية الخبراء الروس قد انتهوا إلى القول "بالناتج الموجب" أو الخلاصة الموجبة، "للتماثل النفطي" بين البلدين، وذلك خلافاً لما كان عليه الحال قبل عقد من الزمن.
وعلى صعيد ثالث، تطرق بعض الباحثين الروس لما وصفوه "بخصائص الدولة الشاسعة"، التي ترمي بإيحاءاتها وإفرازاتها الإيكولوجية والاقتصادية.. وصولاً إلى سيكولوجيا المجتمع. وقال هؤلاء الباحثون بضرورة تحليل هذا البعد في مقاربة التحليل النهائي لآفاق وصيرورة العلاقات السعودية الروسية.
وعلى صعيد رابع، تباينت المقاربات الروسية حول مداخل العلاقة المنشودة بين روسيا والسعودية. وثار سؤال مفاده: هل تكون " اقتصاديات الأمن" بمعنى التسلّح مدخلاً للعلاقات الاقتصادية الأوسع مدى، أم يكون الاقتصاد طريقاً لتعزيز الروابط الأمنية. وهل العلاقة بينها ذات طبيعة طردية بالضرورة أم يمكن الفصل بين الأمرين، وهل هذا الفصل لا غنى عنه في الأصل؟. وبالطبع، فهذا أمرٌ يصعب حسمه، إلا أن غالبية المقاربات ذهبت إلى القول ان العلاقات الروسية السعودية لن تمثل إعادة نسخ لعلاقات الاتحاد السوفياتي مع عدد من دول العالم الثالث، بما في ذلك بعض الدول العربية. وضمن هذا السياق أيضاً، يشدد العديد من الباحثين الروس على أهمية نقل العلاقات الاقتصادية بين الدول إلى حيث قوانين السوق، الأمر الذي يساعد على شفافيتها. ومن دون ذلك فقد يحدث لروسيا، كما يرى هؤلاء، ما حدث للاتحاد السوفياتي بعد حل مجلس التعاضد الاقتصادي، حيث وجد السوفيات أنفسهم مدينين للبلدان الاشتراكية، على الرغم من المساعدة الاقتصادية الضخمة التي كانوا يقدمونها لهذه البلدان.
ويرى هؤلاء الباحثون، أنه فيما يتعلق بالسعودية تحديداً، فإن هناك من الآفاق ما يغني عن الحاجة للانشغال بأولوية المداخل والخيارات، ذلك أن علاقات البلدين "يمكنها ببساطة أن تسير في اتجاهات عديدة، بقدر ما يكون هناك توافقاً أو مصالح مشتركة".
ورأى الخبراء الروس أن الفجوة القائمة في العلاقات الروسية السعودية (إن كانت قائمة في الأصل) هي فجوة تاريخية بالدرجة الأولى، إذ أن "فاصلة التاريخ"، كما يعبر هؤلاء، تبدو طويلة. وثمة حاجة لكثير من التواصل المباشر لردمها، وخاصة على صعيد "التعارف الأهلي".
وبطبيعة الحال، فإن نقاش الباحثين والخبراء الروس حول العلاقات السعودية الروسية نقاش طويل ومسهب، ويصعب كثيراً الوقوف على كافة جوانبه في مقالة كهذه، إلا أن خلاصة هذا النقاش هي خلاصة ايجابية ومثمرة، وتعبر عن رؤية جديدة ومتطورة لهذه العلاقات.
وغير بعيد عن تصورات النخبة الفكرية، فإن مقاربات الساسة الروس قد شددت هي الأخرى على ضرورة بناء علاقات قوية ومتميزة مع السعودية، انطلاقاً من القناعة بإيجابية مردود هذا الخيار.
يقول رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين: "إنني أتذكر بحرارة زيارتي للمملكة العربية السعودية.. أود أن أؤكد بصورة خاصة أن الديناميكية الإيجابية لعلاقاتنا الودية تستجيب للمصالح الحيوية لدولتينا وتعتبر عاملاً من عوامل السلام والاستقرار في الشرق الأوسط".
أما وزير الخارجية سيرغي لافروف، فقد صرح خلال جولته في المنطقة، في أيار مايو من العام 2006، قائلاً: "لقد التقيت هنا محدثين ذوي تفكير عميق لا يهتدون بالاعتبارات الآنية، وإنما ينطلقون من المصالح الطويلة الأمد لشعبهم ومنطقتهم". وعلى ذات النسق، يمكن الوقوف على تصريحات لمسؤولين روس من مستويات مختلفة.
وقد تم في السابع عشر من أيلول سبتمبر من العام 1990الاتفاق على استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين على مستوى السفراء. وافتتحت السفارة السوفياتية في الرياض في أيار مايو من العام 1991.وبدأت العلاقات التجارية الاقتصادية الثنائية تنشط منذ ذلك التاريخ. وبعد ثلاث سنوات، وقعت في 20تشرين الثاني نوفمبر من العام 1994اتفاقية عامة بين الحكومتين الروسية والسعودية، نصت على تطبيق نظام معاملة الدولة الأكثر رعاية بصورة متبادلة، وتشكيل لجنة حكومية مشتركة للتعاون الاقتصادي والعلمي والتقني.
وفي تموز في يوليو من العام 2003عقدت في موسكو الجلسة الأولى لمجلس الأعمال الروسي السعودي. وفي العام 2007، وقع مصرفان روسيان هما "فنيش اكونوم بنك" و"روس اكسيم بنك" مذكرة تفاهم وتعاون مع صندوق التنمية السعودي، وهي أول اتفاقية للتعاون المالي بين البلدين، وقد هدفت على وجه التحديد إلى تهيئة الظروف المناسبة لتنفيذ مشاريع استثمارية مشتركة.
ويتجلى التعاون، بصورة رئيسية، حالياً، في مساهمة الشركات الروسية في أعمال الاستكشاف الجيولوجي والتنقيب، ومشاريع استخراج النفط والغاز في المملكة، وكذلك إنشاء شبكات أنابيب نقل النفط والغاز، والبنى التحتية المتصلة بهذه القطاع. وتقوم الشركة الروسية السعودية المشتركة (LUXAR)، التي أنشئت بموجب اتفاقية وقعتها شركة "لوك أويل" والجانب السعودي في العام 2004، بعمليات تنقيب في الربع الخالي، وقد اكتشفت حقلاً للنفط هناك. ومن جهتها، تقوم شركة "ستروي ترانس غاز" الروسية بتنفيذ مشروعين في السعودية، الأول مد خط أنابيب نفط "شيبة - أبقيق" بطول 217كلم، والثاني بناء شبكة لنقل المياه في المنطقة الغربية.
وكان بوتين قد علق على التعاون بين البلدين في مجال الطاقة بالقول: انه يبدو من الوهلة الأولى أن روسيا والسعودية تتنافسان في سوق الطاقة العالمية، إلا أن حاجة العالم المتنامية لمصادر الطاقة تؤكد عكس ذلك. ورأى بوتين، في كلمة ألقاها في الملتقى الاقتصادي الروسي السعودي في الرياض، أن التعاون بين البلدين في مجال النفط والغاز يتطور بنجاح.
ويرى البعض أن مما يحسب لروسيا أنها لم تضع نفسها في موقف المزايدة على المنتجين الآخرين، وأن أحداً لم يستطع جرها لذلك.
وقد ارتفع التبادل التجاري بين روسيا والسعودية في الفترة بين العامين 2000- 2004من 70مليون دولار إلى 7ر 143مليون دولار. ويعلق الباحثون الروس على هذه الأرقام بالقول انه على الرغم من تواضعها فإنها تعكس، على نحو لا لبس فيه، الدينامية النشطة التي بدأت تتحرك فيها علاقات البلدين. ودخل بعض الباحثين في توقعات مختلفة لمستقبل هذه الأرقام، ولا ضرورة هنا للخوض في تفاصيلها.
وما يمكن قوله بوجه عام، هو أن آفاق التعاون الاقتصادي والتجاري بين روسيا والسعودية تبقى كبيرة ومتاحة، وهذا ينطبق على علاقات روسيا بالمنطقة عامة. فروسيا ما بعد السوفياتية لا تزال أكبر دول العالم مساحة، وهي تحتل المرتبة السابعة في عدد السكان، حيث تعد 142مليون نسمة. وحسب التقارير الروسية الرسمية، فإن الناتج المحلي الإجمالي الروسي سيتضاعف بحلول العام 2020خمس مرات، وسترتقي روسيا إلى الموقع الخامس عالمياً في هذا المؤشر، إذ سوف يعادل الناتج المحلي الإجمالي الروسي في ذلك العام، كما تتوقع وزارة التنمية الاقتصادية الروسية، أكثر من خمسة تريليونات دولار. وعلى صعيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الاقتصاد الروسي، تشير البيانات الروسية الرسمية، كما هي في تشرين الأول أكتوبر 2007، إلى أن حجمها يتجاوز أربعين مليار دولار.
وتقليدياً، ظلت روسيا تواجه سؤالاً قديماً مفاده: هل علينا التوجه غرباً، حيث أوروبا، أم شرقاً، حيث آسيا وأفريقيا؟ وربما يبدو للوهلة الأولى أن روسيا قد حسمت خياراتها واتجهت غرباً، وربما كانت خياراتها على هذا النحو على صعيد نظري في السنوات الأولى التالية لانهيار الاتحاد السوفياتي. بيد أن روسيا في واقع الأمر لا تزال أوراسية الخيار، وهذا أمر يخدم العرب. وخلاصة، فإن العلاقات السعودية الروسية يمكنها أن ترتقي إلى آفاق متقدمة، باعتبارها جزءاً من منظومة العلاقات الدولية للمملكة العربية السعودية.