كان اسمها (ناجيَّة).. لكنه لم ينجها من عيون الرجال والنساء على السواء..
هي ابنة (السابعة) لكن استدارة جسدها يوحي لمن لا يعرف يوم ميلادها بأنها أكبر من ذلك..
يُحلَّق شعرها الفاحم الطويل خلف عنقها وكتفيها إذا ركضت تطارد (نفيختها)، وكان يقترب ملامساً باطن ركبتيها كلما وقفت لالتقاط الأنفاس..
نشبت (النفيخة) بين أغصان سدرة البغدادية الكبير.
تحوفزت (البنيَّة) على الأرض محتضنة ركبتيها، ومدّت عنقها إلى نفيختها المشنوقة، وها هو شعرها يستريح يغطي ظهرها ويفترش من خلفها الأرض..
أجالت النظر بين القطط السارحة هنا وهناك، ترقص أذيالها.. أو الرابضة في الظل تفتح أفواهها متثائبة لتعسيلة الضحوية..
تمنّت في تلك اللحظة لو أنها قطة.. تتسلق السدرة وتصل إلى (النفيخة)..
قدمان وعكاز..
عرفته دون أن تلتفت
وتوقف (عطيَّة):
- "يا حليلك يا ناجيّة.. شعرك أطول منك"
سرت قشعريرة في جسدها الصغير.. وهز الهواء أغصان السدرة فاحتكت النفيخة بالأشواك وتدلت بلا أنفاس..!
كانت (سعدية) تحيط جسد ابنتها من الخلف:
- "ايش مقعّدك هنا يا ناجيَّة"؟!
ألقت نظرة حادة على (عطية) فتشاغل عن عيونها بخطوط عكازه التي كان يرسمها في التراب..!
وكانت أحلام (مجنونة) غير قابلة للتحقيق طبعاً..
أمسكت (سعدية)بيد البنيّة وانهضتها.. وتهادت (ناجية) تستند بجذعها على أمها ملتفتة بين وقت وآخر إلى نفيختها المشنوقة على الأشواك
كان (عطية) يغني:
"الما جنبي وانا
ساكن بجنب الما..
عشان ميِّت ظما..
وأنا أتفرَّج على الما.."
سمعت أمها تقول بصوت خافت:
- "عساك ما تروى يا شيبة عرعر"!.
. . ..
بعد العصر سقط شعر (ناجية)..
وفي فجر اليوم التالي امتلأ مسجد البغدادية..
. . .
كانت السدرة قد طرحت حبَّات من (النبق) الناضج على بساط من العشب الأخضر.. وكانت الطيور تعزف سمفونية يتردد صداها في كل البيوت.
طفل في (التاسعة) كان محوفزاً يحتضن ركبتيه.. وكان يحاور - باسماً - إنساناً آخر لم يره أحد..!
. . .
لو كنت مسؤولاً في (البلدية) لاخترت لأكبر شوارعها اسم (ناجية).!