د. شروق الفواز
في مدينة (دوبريفنيك) لؤلؤة البحر الأدرياتيكي كما يحب أن يسميها الكرواتيون بوصفها أحد أهم مدنهم السياحية، لن يشدك طابعها المعماري الحميم ولا مدينتها القديمة بسورها الشاهق ومنارتها الكبيرة. ولا مرفئها الصغير بقوارب الصيد التي تتزاحم على رصيفه ، ولا أزقتها الضيقة التي تصطف الحوانيت الصغيرة فيها مع المطاعم ، ولا البضائع التي يعرضها السكان المحليون عليك ويفترشون الشوارع بها والتي تكاد تكون متشابهة في مجملها خصوصا تلك التي تعرضها عليك نساؤهن الطاعنات في السن وهن يعرضن ما حاكته أيديهن من مفارش ومناديل أو رسمته على أطباق خاصة.
كل ذلك لا يمكن أن يكون مميزا لتلك المدينة الصغيرة أكثر مما يمكن أن يلاحظه أي زائر لها وهو يرى تهافت سكانها وخصوصا الكبار في السن على التقاط كل ما يمكن أن ترميه يداك من قوارير أو علب قابلة للتدوير.
ليس من الغريب أن ترى متشردي أي مدينة مهما كان غناها وعراقتها وهم ينبشون حاويات النفايات بحثا عن بقايا طعام أو شيء آخر. لكن ما يفعله سكان مدينة (دوبريفنيك) هو شيء مختلف، فهم يبحثون في حاويات القمامة وعلى أطراف الطريق عن كل شيء يمكن أن يدّور أو يعاد استعماله مما يرميه السائحون أو يتركونه وراءهم بلا اهتمام. ويجمعونه في أكياس دون ملل أو كلل وكأنه جزء من روتين حياتهم اليومي، ووسيلة لاقتطاع نهارهم الطويل بشمسه الحارقة. قد لايكون الأمر مستغربا في مدينة كانت أسيرة للنظام الشيوعي لعقود ثم ضحية لحرب عرقية طاحنة ولسنوات، أن يعيش سكانها الفقر وضيق العيش ويتحايلوا على ظروفهم الصعبة ومواردهم المحدودة، لطرق أسباب الحياة وكسب الرزق. لكن المدهش حقا أن ترى هذه الظاهرة في أماكن أخرى غنية من العالم.
كنت أقص ما شاهدته في تلك المدينة على أنه مشهد مميز بها ، حتى سمعت قصة أخرى رواها لي صاحبها عن مشاهدته لرجل سعودي أربعيني مع زوجته يجوب شوارع تجارية مزدحمة في وسط مدينة الرياض بسيارته القديمة ويقوم بجمع الصناديق الكرتونية والعلب المعدنية التي ترمى خارج تلك المحال التجارية وتحميلها في صندوق سيارته حتى يملأه. وبعد أن تكررت مشاهدته لهذا المشهد توجه لذلك الرجل السعودي بعد أن أشفق عليه من دورانه هو وزوجته في لهيب الشمس وجمعه لهذه النفايات ، وسأله عن سر جمعه لهذه الكراتين وعن ما اذا كان محتاجا للمساعدة حتى يساعده بما يستطيع أو يدل أصحاب الخير عليه. فتبسم له الرجل وقال إن هذه هي وسيلته لكسب قوته وقوت عياله فهو يجمع بقايا المحلات التجارية القابلة للتدوير وبعد أن يملأ صندوق سيارته يبيعها على المصانع المتخصصة بالتدوير ، ويكسب من ذلك مبلغا متفاوتا يصل للخمسمئة ريال في اليوم ، وهو مبلغ جيد يكفيه ويكفي عياله شر الحاجة والجوع. وباب رزق له يدعو الله صبح مساء أن لا يسد.
فعجيبة هي الدنيا مهما اختلفت ملامح مدنها وطبائع سكانها وظروفهم المعيشية الا أن وسائل الرزق فيها وإن تعددت إلا انها متشابهة.