كانت أول بداية لتخطيط المدن الإسلامية وعمارتها منذ الهجرة إلى المدينة المنورة وذلك بعد أن اصبحت مدينتهم الأولى، ونظراً لأنها تقع على طريق التجارة إلى الشام وذات تربة خصبة ومياه وفيرة مقارنة بمناطق أخرى في الحجاز فإن ليثرب هنا بنية اقتصدية جيدة حيث توفرت فيها الزراعة والتجارة بالاضافة إلى بعض الصناعات الحرفية وكذلك التعدين. وكانت ايضاً تتميز بتنوع ديموغرافي يمثله وجود اليهود بكثرة كما كانت تفتقر إلى سلطة سياسية مركزية مما أدى إلى استمرار الخصومات وتحولها إلى حالة دائمة فيها.
وعندما ظهر الإسلام كان لظهور الرسول صلى الله عليه وسلم الدور الكبير في انهاء الخصومات بين الأوس والخزرج، سكان المدينة مما أدى إلى ضعف تأثير اليهود الذي كان غالباً فيما سبق.
نعود إلى التغيير العمراني حيث كانت البداية بناء المسجد النبوي على أرض في وسط المدينة ابتيعت للمسجد. ثم شقت طرق رئيسية تصل المسجد بالضواحي..
وتشير بعض الروايات التاريخية إلى طريق يمتد من المسجد ويتجه غرباً حتى يصل إلى جبل سلع وطريق من المسجد يخترق منازل بني عدي بن النجار ويصل إلى قباء جنوباً ومن قباء وجد طريق يتجه شمالاً إلى البقيع. كانت الشوارع قياسية فقد كان عرض الشارع الرئيسي سبعة أذرع، والذي يتفرع منه خمسة أذرع والشارع الأصغر ثلاثة أذرع. وقد غطيت شوارع المدينة في حينها بالحصى.
حين وصل المهاجرون إلى المدينة وهب لهم الأنصار بعض الأراضي الفارغة ليسكنوا فيها، وقد قسمت الأرض بطريقة قبلية حيث إن كل قبيلة أعطيت أرضاً تخططها كما شاءت. ومن هنا أنشأت هذه الطريقة نواة لتخطيط المحلات السكنية طوال الفترة الإسلامية حيث إن المحلة نفسها تقتطع لها أرض محددة ويقوم ساكنوها بتنظيمها بما يرونه مناسباً. إلا أن بعض المباني العامة كانت تخطط مركزياً فقد روى جابر بن أسامة قال: (لقيت رسول الله بالسوق في أصحابه فسألتهم أين يريد، فقالوا: اتخذ لقومك مسجداً، فرجعت فإذا قومي فقالوا خط لنا مسجداً وغرز في القبلة خشبة).
أما تنظيم السوق في المدينة فقد كان تنظيماً بلا مبان حيث أن الأرض كانت تترك فضاءً ويأتي التجار ببضائعهم فيستخدمون الأرض للبيع والشراء حتى آخر النهار ولكنه ليس محجوزاً لهم دوماً.
وقد اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم بتوفير المرافق العامة حيث أقام الرسول خيمة بالمسجد لأجل التداوي، كما اقيمت دور الضيافة لاستقبال الوفود كان أهمها دار عبدالرحمن بن عوف واتخذت مواضع لقضاء الحاجات تسمى (المناصع) كما اختيرت مواضع للذبح بعيداً عن السكان، وتم إنشاء مكان لصلاة العيد.
وكما هو معروف فإن للرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام تأثيراً كبيراً على تخطيط المدينة، استمر هذا التأثير طيلة قرون طويلة حيث ان الكثير من المبادئ التي اعتمد عليها في تخطيط وإدارة المدن الإسلامية منذ ذلك الحين حتى نهاية القرن التاسع عشر كان يرجع في أساسه إلى هذا النموذج ..
وفي نفس الوقت وبالموازاة مع البناء قام الرسول بإعادة تنظيم المدينة إدارياً واجتماعياً حيث إن أول عمل هو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار والتي حققت الكثير من الأهداف أهمها المساعدة على دمج المهاجرين في المجتمع الجديد وتقوية الأواصر بينهم وبين الأنصار والتأكيد على أهمية التكافل الاجتماعي.
وعندما اتسعت الدولة الإسلامية في صدر الإسلام، تم تأسيس العديد من المدن أو القواعد العسكرية التي تحولت إلى مدن أهمها (البصرة) في عام 633و(الكوفة) في عام 638و(الفسطاط) في عام 642و(القيروان) في عام 665ميلادي. وفي هذه المدن يتشابه التخطيط فيها إلى حد كبير مع تخطيط المدينة المنورة مما يظهر تأثيرها على المدن الإسلامية الأولى.