عبرنا خلال الحلقات الأربع الماضية من هذه الدراسة المعنية بتجربة طلال مداح (1940-2000) حول مصادر الغناء السعودي ومرجعية طلال مداح الفنية ثم عن تحقيب لمراحل ظهور أجيال فنية، وبعدها إلى قراءة تجربة طلال من تاريخ بدايتها وصولاً إلى أبرز مجاميعه الغنائية وإنتاجه في الموسيقى والقصيدة.
حناجر طلال الجديدة
لم يكن طلال مداح من خلال جيله إلا قنطرة عبر بعدها الكثير بأمان حيث دعم حضورهم الفني شخصية المغني المحترفة، وبدت الحركة الفنية مدعومة باتصالها مع حركة التطور الاجتماعي من خلال شعراء تنوعت مدارسهم واتجاهاتهم وتباينت أنشطتهم في مناحي اجتماعية وثقافية متباينة كانت دعماً مباشراً لصناعة الأغنية وشخصية المغني فيما كان الانفتاح على تجارب الغناء العربي المجاورة بعيدة كانت أم قريبة وإنما الاستفادة من تجربة توزيع وتنفيذ الأغاني بالاحتكاك المباشر مع موسيقيين بين مصر والكويت ما أضاف الكثير لحركة جيل طلال مداح بين من استقل مغنياً مثل: طلال مداح وسعد إبراهيم وغازي علي أو بقي ملحناً مثل: جميل محمود وسامي إحسان وعمر كدرس ودعم كلاً من الشعراء والملحنين والمغنين في ذلك الجيل الحداثي الذين كانوا إلى جانب أنهم مواهب كبيرة ومختلفة ومتمايزة في إبداعاتها يمتلك بعضهم شركات ومؤسسات إنتاج واستوديوهات ووظائف إدارية في الإذاعة والتلفزيون عبر لجان الإجازة والموسيقى أن يدعموا سريعاً ظهور الكثير من أصوات الجيل التالي لهم وطلال أحد المساهمين بشكل مباشر في تلك الاكتشافات بل الدعم عبر الإنتاج الفني والتلحين والمرافقة في الحفلات الغنائية مثل: حيدر فكري وعبادي الجوهر عام 1967فأعطى فكري لحن: "أراجع البسطة" وللجوهر لحن: يا غزال كذلك أغنيات أخرى: يا حلاوة، العواذل والحب المؤقت ومدير الحجز حيث سيرد الجوهر لطلال ذلك الجميل بالتلحين له: دروب العاشقين عام 1976ثم عضة الإبهام عام 1997ثم شارك طلال عام 1969في لجنة مكونة من أحمد صادق ولطفي زيني وحسن دردير وعمر كدرس لاكتشاف صوت خيرية قربان التي منحها اسمها الفني: ابتسام لطفي كما لحن لها أغنية: بتقوللي فات الأوان؟ (كلمات لطفي زيني) تشكل معارضة غنائية لأغنيته: فات الأوان (إبراهيم خفاجي وطارق عبد الحكيم)، ولا يخفى أنه استمر في دعم الأصوات سواء بألحانه أو من خلال الإنتاج الفني عندما انتقل إلى شركة فنون الجزيرة، ومن هذه الأسماء عتاب وعلي عبد الكريم ومحمد عمر ومن الكويت رباب ومن البحرين إبراهيم حبيب.
ولا يخفى أن طلال أسهم في اكتشاف وتقديم ملحنين كبار في الساحة الغنائية السعودية مثل سراج عمر وسامي إحسان كذلك في مرحلة لاحقة محمد شفيق ومحمد المغيص عوضاً عن غنائه لشاعرات مثل: ثريا قابل حيث شكلت ألحانه وألحان فوزي محسون حالة غنائية حجازية وبعدها ساهمت ثريا قابل مع بدر عبد المحسن في أغنية سعودية تحمل ملامح مزيجاً من النجدية والحجازية مثل: الله يرد خطاك كذلك غنى لحصة العون (رموشك ساهية) ورضية عبد الكريم (تركتيني) وصولاً إلى الشاعرة هتان (ألف شكراً).
ورغم أن جيل الحداثة خلق الحالة التنافسية وفرض شروط لعبة في المشهد الغنائي عندما شجَّع طارق عبد الحكيم تلميذه الملحن الفذ عبد الله محمد على الغناء لينافس طلال مداح الذي أقعد فوزي محسون عن الغناء فيما سوف يدعم ظهور عتاب وابتسام لطفي، فإن عمر كدرس وطاهر زمخشري سوف يدعمان ظهور محمد عبده فيما سيشجع لطفي زيني موهبة عبادي الجوهر منافسة لمحمد عبده وهكذا.
وستبقى مواهب الغناء رهن اكتشاف الملحن بالدرجة الأولى لكونه المعبر الأساسي للحنجرة وهذا ما كشف عنه الجيل اللاحق فقد دعم محمد شفيق صوت طلال سلامة فيما كان سامي إحسان وراء ظهور عبد المجيد عبد الله على أن الجيل اللاحق لجيل الأخير سوف تتبدل فيه العملية نهاية التسعينيات لتكون بين يد المنتجين ووكلاء الأعمال الفنية مثلما سيظهر صوت وعد (حنان بكر يونس) عن طريق فنون الجزيرة وعباس إبراهيم عن طريق شركة التكامل.
وبقيت علاقة طلال مداح مع الأصوات متميزة حين توهم محمد عبده منافسة بينه وبين ظل طلال كان طلال نفسه يفرح بكل صوت جديد ويدعمه في مشاركة بحفل صيفي أو ربيعي، وربما تكرم عليه بلحن مثلما فعل سابقاً مع أصوات سعودية فعلها مع أصوات عربية مثل الراحلة رجاء بلمليح حيث أعطاها لحنه الرائع: هكذا الدنيا تسامح - 1988(كلمات محمد با جبير) وأعاد معها بتنسيق وتوزيع لحني مغاير: عيني يا سهرانة في نفس الشريط فيما أعادت له المطربة سميرة سعيد أغنية: تصدق وإلا أحلف لك- 1993(إبراهيم خفاجي-عدنان خوج) كذلك أعادت المطربة أروى أغنية: فينا واحد يلعب (كلمات:فايق عبد الجليل) ودعم المغنية عزة مسعود بشريط كامل. وتعاون طلال بشكل خاص مع الصوت الكبير عبد الكريم عبد القادر في شريط كامل: شفتك - 1993كذلك مع رباب في شريط: لا يهمك من يقول-
1988.طلال علامات تجربة
لكل تجربة إبداعية أياً كانت في عالم الثقافة من الآداب والفنون فرديها وجماعيها ما يحكمها من موضوعات أي أفكار محورية تتصل بمغزى العمل الفني تعد إحدى مرتكزات تجربة إنسانية تبقى الجذور المضمرة في عناصر ومكونات أية أعمال إبداعية لأي مطربة أو ممثل أو راقص أو روائي أو شاعر أو رسام أو نحات.
ومن خلال تجربة طلال مداح في الكتابة للإذاعة من اسكتشات وقصص مسلسلات كذلك اختياراته الشعرية وتعديلاته إضافة إلى فكره الموسيقي الذي تجلى عبر تقاسيمه وارتجالاته الموسيقية في العزف على آلات عدة منها العود والكمنجة والقانون والبيانو والأورغ، ومنها مختاراته اللحنية من الملحنين الآخرين السابقين والمجايلين واللاحقين وتآليفه الموسيقية في مقدماته الغنائية ومقطوعاته وألحانه لصوته ولسواه كل هذا مع تجربته الإنسانية يكشف لنا ملامح شديدة الوضوح لتجربة جيل كامل خاض الكثير من التحولات الفكرية والنفسية عبر أثر مستويات اقتصادية وسياسية ودينية وثقافية كان طلال نفسه أحد الوجوه الثقافية المعبرة عن تلك المرحلة مع آخرين في مجالات وحقول عدة.
ومن بين أغنيات في مرحلته الغنائية الأولى عالجت مواضيع اجتماعية ونفسية وفكرية ومناسباتية بعضها مباشرة قد رافقت التطورات التقنية مثل: في سلَّم الطائرة أو يا مسافر على البوينج، ومنها ما عالج مسائل العشق العذري مثل: ما دام معايا القمر والعشق الحسي مثل: حبك سباني، وأخرى رافقت أزمة منتصف العمر مثل: اليوم يمكن تقولي، ومنها المتجدد سنوياً ضمن دائرة الموسمي ما يخص مناسبات احتفالات وطنية وأعياد دينية وأفراح رياضية وحالات وصفية بالمدن.
شربت أغنية طلال بمثل ما أوحت وتحاورت مع التطورات في البناء الشعري من طابع رومانسي جديد في تصويره، ورمزي في مشهديته، وحداثي في مجازه، وهذا ما كشفته المرحلة الثانية ثم استمر مع تطورات في المرحلة الثالثة في أغنيات كثيرة من المرحلة الثانية: أغراب، طفلة تحت المطر وقصت ضفايرها، وفي مرحلة ثالثة: زمان الصمت، نجمة ونهر، زلزليني، ليلكم شمس وسواها كثير.
وتتجلى ليبرالية إنسانية في أسلوب الاعتراف أمام الطرف بالتجربة العاطفية السابقة في أغنية: أعترف لك-1983(كلمات:سعود شربتلي) يوازيه من الجهة الأخرى موضوع معاكس في الأدوار في أغنية: أحرجتني- 1987(منصور الشادي) عوضاً عن التميز في قراءة الحالة العاطفية في أغنية: مسرحية- 1993(كلمات:بدر بو رسلي) مقابل التقاط تفاصيل العلاقة العاطفية في لحظة مغفلة عن أشياء المكان كما بدت في أغنية: وقت اللقا - 1992(كلمات:يوسف ناصر).
وتلك الموضوعات المتصلة بنفسية ووعي طلال مداح الفكري والاجتماعي تنطق بشكل ثقافي بما فيه من أدبي وموسيقي وأدائي من خلال لا وعي حنجرة طلال لتسيطر على كثير من عناصر ومكونات أعماله عبر جذور مضمرة ومنها موضوعة الطفولة بما فيها من براءة وعفوية تتصل بفرح الطبيعة ومشاعر الحب الأولى كذلك موضوعة الحساسية من الزمن في التغير والتطور من خلال مواضيع: الغربة والفراق والضياع والفقد.
وفي النهاية، إن قراءة تجربة طلال مداح تبقى في أدنى وأعلى نتائجها قراءة لجيل كامل مثلما أسلفت وأكرر كذلك تكشف لنا موهبة طلال ودورها في مسيرة الأغنية السعودية في مرحلة حاسمة من تطورها التراكمي تاريخياً واجتماعياً كذلك بما أضافته إلى مسيرة الأغنية العربية من اختلافات وتعبيرات مغايرة شكلت سيرة غنائية موازية لكثير من الحناجر المجايلة التي قدمت تجاربها بوحي مشترك في بعضه من مرحلة الشعوب العربية وتباينت في أهدافها كذلك موضوعاتها كل بحسب حالته وإنسانيته.
ملاحظة:
أوجه شكراً عميقاً ونبيلاً إلى كل من يساند - ولا يزال- هذه الحلقات سواء بالتشجيع والاهتمام، وأثمن للكثيرين والكثيرات ممن وصلتني رسائلهم وتعليقاتهم الحافزة إلى كل جميل كذلك أشكر دعم موقع طلال مداح على الشبكة الإلكترونية: www.6lal.com، ومنتدى صوت الأرض الرسمي www. 6alalmadda7. com متمنياً أن تكون دافعاً إلى دراسات معمقة في المستقبل.