عقيدة الاتفاق..
ومبدأ الفراق!
لا محرّم في المذهب السياسي أن يتآخى الأعداء ويتصادق الخصوم، غير أن هذا المبدأ لا يسير باتجاهه الصحيح عربياً، والسبب أن من أقاموا عهودهم ومواثيقهم في مكة المكرمة، تم نقضها بمجرد وصولهم إلى بلدانهم، ولعل من يعتبون على الرئيس الفلسطيني وساطته بين مندوب عراقي وإسرائيلي تمت مصافحتهما لبعضهما يفترضون أن العناق يتم بينه وبين أعضاء منظمة حماس، والتي لا تمانع، الأخيرة، الاجتماع بمندوبين إسرائيليين في طوكيو، وربما هناك إشارات للقاءات سرية بين الطرفين، غير أن المصافحة مع الشقيق دونها مختلف العوائق..
نحن نعيش زمن اللاوفاق، فكما أن الفلسطينيين منقسمون، ويماثلهم العراقيون واللبنانيون، وغيرهم، فقد ظلت الحواجز النفسية، والشخصية موانع ثابتة، لكن ليس من العيب أن نرى وفدي سوريا وإسرائيل في اجتماع ترعاه تركيا، ولا أحد يعتقد ألا تتم حوارات دبلوماسية مع إيران، ولا غضاضة أن يتكاشف العرب وإسرائيل في كل الموانع التي تقف ضد السلام، ولا أن يصبح اللقاء بين أصحاب الديانات الثلاث أمراً هاماً، وطالما ما هو مسموح ومتفق عليه بين خصوم عرب وأنداد من الخارج يمكن تسويته لا نجد حالات الانفراج تتم بشكل ضروري تحترم فيها الاتفاقات والوفاق بينهم..
هذه الكلمة المطاطة "وفاق" ربما تدخل قاموسنا السياسي بمفهوم مضاد اسمه "الفراق" ولعل حالات الإعياء التي أعجزت أطباء علم النفس، والجراحين للمخ، وكل من يدرس ويقرأ خارطة "الجينات" يعجز أن يوفق بين فصيلين عربيين متنازعين، فالعلة ليست بالوسيط، وإنما بأصحاب الأدمغة الذين اتفقوا على ألا يتفقوا، وهذا الإشكال يحتاج إلى مراجعات نفسية وأخلاقية، والتزامات أدبية، لأنه لا مستحيل للحلول إلا للأمراض المستعصية التي أعجزت الأطباء، والعمليات الخلافية العربية تجري بسياق متعرج، أي كما أن احتكار الحق عند بعض الأدعياء جزء من منهجهم واتجاهاتهم التي يريدون فرضها على الآخرين، نجد بيئتنا العربية ولاّدة لهذا العجز عن الفهم والتفاهم..
فنحن أثرياء في أقوالنا ومطالبنا بالفضيلة، والمساواة بالحقوق ونركض للأمم المتحدة، والمنظمات الأخرى الخاصة بحقوق الإنسان، لكننا لا نعترف بروابطنا مع بعضنا، والنتيجة أننا نتحارب بوسائلنا التقليدية منذ نشوء القبيلة والمدينة وحتى في عصر ما بعد الفضاء والتكتلات الوحدوية الكبرى..
ما هو مستغرب أننا نستطيع أن نلتقي ونتفاعل ونتفق مع قوى خارجية بما فيها إسرائيل، ونقبل الوسطاء، والوافدين من كل المعمورة، ونذهب إلى اجتماعات يحضرها الأعداء، وتتم المصالحات والاتفاقات الملزمة، لكن أن نتصالح ونعمل على إيجاد وسائل تحتفظ بالمعاهدات كأمر لا يقبل النقض، من الأمور المستحيلة، ومن هنا حققنا مقولة أن معاهداتنا أصفار بلا آحاد..
فإذا كانت كل البلاد العربية إلا بعضها قابلة للحرائق والتشرذم والتقطيع فالأمر ليس ندرة الوعي، وإنما التركيبة النفسية العليلة، ويبدو أن حالات الالتباس بالفردية المطلقة وتشبعنا بأن كلاً منا بطل بمواصفات خارقة، أوجدت عقلية القطيع الذي لابد أن يخضع لإرادة "السوبرمان" والعبرة هنا أننا تسببنا في كل فشل سياسي له علاقة بالخارج، أو تنمية وفتح حدود لاستثمارات بينية، ولذلك فعقيدة الفراق جرثومة ساكنة في أدمغة الكثير منا..