بحث



الخميس 29 جمادى الآخر 1429هـ -3 يوليو2008م - العدد 14619

عودة الى سينما

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


رجل من الأرض يقرا (قصة الحضارة)

رجا ساير المطيري
    واجهت الرواية النرويجية (عالم صوفي) لحظة صدورها عام 1991موجة اعتراض من قبل طلاّب الفلسفة الذين رأوا فيها استسهالاً في تناول تاريخ الفكر الفلسفي ونزولاً بهذا التاريخ الكبير إلى مستوى العامة وهو التاريخ الذي ينبغي أن يكون رصيناً متعالياً وخاصاً بالنخبة فقط ولا يجوز له أن يهبط إلى الدهماء توسلاً لرضاهم وقبولهم، فمن يريد أن يتعلم الفلسفة فعليه أن يذهب هو إليها وأن يبحث عنها في مصادرها الأصلية وأن يكون مستعداً من الناحيتين النفسية والذهنية احتراماً لها ولرموزها من مفكرين وفلاسفة اجتهدوا في صناعة الأفكار التي غيرت مجرى التاريخ. لكن ما فات هؤلاء أن الفن ليس إلا قالباً لذيذاً يصهر الأفكار الثقيلة ويودعها في أشكال سردية ممتعة سهلة الهضم يسيرة الإدراك مع حفظ المكانة الأصلية لهذه الأفكار، وهذا ما قام به بالفعل كاتب الرواية جوستاين غاردر الذي سرد تاريخ الفكر الفسلفي منذ نشأته إلى العصر الحديث عبر قصة بسيطة لفتاة صغيرة تدعى "صوفي" تتلقى رسائل من مجهول فيها دروس أولية في الفلسفة؛ حتى إذا انتهت الرواية علمنا من يكون هذا المجهول وما هو هدفه من هذه الرسائل.

العمل الفني حين يتصدى للتاريخ يجب ألا ينسى خصائصه الفنية ويتفرغ لشرح الأفكار فقط لأنه في هذه الحالة سيكون كتاباً كأي كتاب تاريخي أو علمي ولن يقترب من خانة الفن الروائي إلا عندما يمسك بأهم خصائص الرواية وهو "الحدث" بكل ما فيه من حبكة وحركة وصراع وتطور. إن مبدأ التشويق هو الأس الذي تعتمد عليه الصنعة الفنية، وفي رواية (عالم صوفي) كانت هناك ظلال للتشويق وقبل ذلك احترام لتاريخ الفلسفة. ولعل هذا الموقف يقودنا إلى موقف مشابه تعرض له فيلم سينمائي جديد عنوانه (رجل من الأرض-The Man from Earth) حين وجد قبولاً كبيراً من الجمهور لما فيه من تساؤلات مربكة تتعلق بوجود الإنسان على هذه الأرض وبنشوء العقائد وتطورها، وفي المقابل وجد اعتراضاً من قلة قليلة رأت الفيلم بسيطاً ساذجاً وخالياً من أي خاصية سينمائية.

الفيلم هو أحد الأفلام الأمريكية المستقلة التي عُرضت نهاية السنة الماضية 2007وهو يحكي قصة رجل خالد عاش على هذه الأرض أكثر من مائة وأربعين قرناً منذ عصر الإنسان البدائي الأول إلى عصرنا الحالي وهو يسكن الآن في أمريكا ويشغل وظيفة محاضر برتبة بروفيسور في إحدى جامعاتها، وهيئته لا توحي بأنه يبلغ من العمر أربعة عشر ألف سنة بل يبدو شاباً وسيماً ناضجاً مفتول العضلات في مقتبل عمره. هذا الرجل الغريب يقوم في بداية الفيلم بدعوة زملائه في الجامعة إلى حفلة وداع في منزله الريفي الصغير -حيث ستجري كل أحداث الفيلم-، ومن دون أن يشرح الأسباب يعلن لهم عن نبأ مغادرته المدينة، لكن إصرارهم على معرفة السبب تجبره على أن يصارحهم بالحقيقة المربكة؛ إنه إنسان خالد عاش على هذه الأرض منذ بداية ظهور الإنسان، وقد ظلت هيئته ثابتة منذ آلاف السنين، لذلك هو مرغم على المغادرة كي لا يلاحظ رفاقه عدم تأثر شكله بالسنوات العشر التي قضاها بينهم.

الاعتراض على الفيلم ليس لأنه تطرق لهذه الأفكار وليس لأنها يجب أن تبقى متجهمة وثقيلة ونخبوية كما يطالب عشاق الفلسفة الذين اعترضوا على رواية "عالم صوفي"، بل لأن الفيلم لم يحترم لغة السينما واكتفى فقط بإلقاء أفكاره في غرفة ضيقة وبطريقة مدرسية مباشرة من البداية إلى النهاية، فمن اللحظة التي يكشف فيها البروفيسور "جون أولدمان" عن سره العظيم لا يفعل الفيلم سوى أن يطلق الأسرار الجديدة عن علاقة البروفيسور بالأنبياء وبالمفكرين وارتباطه بالحركات التاريخية الكبرى، يقابل ذلك استغراب من جهة زملائه الأكاديميين، وهكذا يستمر حتى النهاية دون حبكة حقيقية تقدم صراعاً حقيقياً فيه تطور وانقلاب مواقف كتلك التي رأيناها -مثلاً- في الفيلم الكلاسيكي المدهش (اثنا عشر رجلاً غاضباً-12 Angry Men) الذي تجري أحداثه أيضاً في مكان واحد لكن مع حيوية في النص واندفاع في الأفكار.

هذا ما ناحية الأسلوب أما من ناحية الأفكار نفسها التي يقدمها البروفيسور لرفاقه المذهولين فهي ليست إلا إعادة بنفس الترتيب لما ورد في الموسوعة الرائعة الممتعة "قصة الحضارة" للكاتب الأمريكي "ول ديورانت" وبخاصة المجلدات الثلاثة الأولى وقد سرد البروفيسور هذه المعلومات بشكل مباشر كما لو كان يجلس فوق منبر عال ممسكاً بالكتاب ويلقي ما في بطنه من معلومات مثيرة على مستمعين لا يقومون إلا باستقبال هذه المعلومات استقبالاً باهتاً من دون تفاعل أو انفعال حقيقي مقنع. أي أن مخرج الفيلم ريتشارد شيكمان وكاتبه جيرومي بيكسبي -الذي توفي فور انتهائه من كتابة السيناريو عام 1998لم يشتغلا على النص ولا على الحبكة التي تضمن التشويق واكتفيا بأسهل الطرق ليقدما ما كان موجوداً أصلاً في بطون الكتب وبنفس الكيفية ولتكون النتيجة فيلماً فقيراً خالياً من الأصالة السينمائية.

وتبقى نقطة "الإقناع" أهم المشاكل التي يعاني منها الفيلم لأننا إذا تجاوزنا هيكله السردي المترهل وذهبنا إلى ردود فعل شخصياته تجاه الحقيقة الكبرى التي انكشفت أمامها، وجدناها ردود فعل باهتة وغير مقنعة، فالفيلم -وهذا يحسب له- يقدم فكرة رائعة عن إنسانٍ عاش الدهر كله ورأى بأم عينه كيف تكونت الأفكار والعقائد والأديان على مر التاريخ، وكيف استقبل المدعوون للحفلة هذا الاكتشاف الكبير؟. لقد استقبلوه بنوع من التواطؤ والقبول والاقتناع المسبق رغم أن هذا الاكتشاف مدهش وكفيل بخلخلة إيمانهم في عقائدهم التي آمنوا بها منذ الصغر. وقد يكون ذلك لأنهم علماء وأكاديميون تعودوا على مواجهة أعتى الأفكار وأشدها إرباكاً لكن كيف نفسر اقتناع أحد الضيوف الكبار في السن بأن (جون أولدمان) الرجل الخالد هو والده؟!. هكذا بشكل مباشر ومجاني ومن دون مبررات مقنعة يتم القبول بالمستحيل.. وهذه النقطة تحديداً قتلت الفضاء الواسع الذي كانت ستثيره الفكرة الغامضة للرجل الخالد إذ كانت ستجبر المشاهد على التفكير فيها والتساؤل عن حقيقتها لكن ظهورها بهذا الشكل وبهذه النهاية ربطها بالواقع ربطاً أكيداً وقدم الرجل الخالد كحقيقة واقعية لابد أن يقبلها المشاهد كما قبلها ذلك الرجل العجوز وفي هذا قتل لما تبقى للفيلم من مساحة فنية..

تعليق واحد
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


تقرير جميل... راح ادور على الفيلم و اشوفه... و على بال ماادور عليه بشووف 12 Angry Men لان عندي و تحمست له
شكرا لك


أحمد الدوسري
ابلاغ
07:57 مساءً 2008/07/03


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى سينما

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | مركز المعلومات | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2009
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية