يظل هناك من يعتقد أن المرأة العربية في المجتمع الإسلامي ليس لها أية تطلعات حقوقية من أي نوع، وأن مسألة الحقوق بالنسبة لهم أمر محسوم تماما باعتبار أن المرأة قد منحها الإسلام كافة حقوقها. وهذا نظرياً صحيح ولكنه عمليا يفتقد إلى المصداقية في التطبيق، حيث إن مشكلتنا مع حقوق النساء ليست في التشريع، إنما في التطبيق وفي هذا الكثير من الإجحاف بحق المرأة فيما يتعلق بالحياة الحقيقية على أرض الواقع. بالرغم من هذا هناك توجه نسوي لتغيير الوضع السائد الذي يتجاهلها، ويضر بكينونتها وهو أمر ليس بحديث، فها هي أم سلمة زوج النبي عليه السلام تعبر عن أول ظهور لمفاهيم النسوية وهو العصر الذي بدأ برسم ملامحه السياسية، والدينية آنذاك... قائلة للرسول عليه السلام "لماذا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال" وكان أن انزل الله قوله تعالى "إن المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات.. الآية" فكانت هذه البادرة أحد أهم وأقدم مظاهر النسوية، ومطالبها في وقت لم يكن هناك غرب يحتج به كذريعة لإسكات المرأة وإبعادها عن الحضور بكليتها بجوار إنسان المجتمع المسلم.
إن واقع ممارسة الفكر النسوي في المجتمع العربي، والمحلي من الثبات بحيث انه يتحرك من خلال، التنظيم المؤسسي الحكومي، أو الأهلي في حده الأدنى، هذا الحد المقنن يتمثل في الجمعيات الخيرية، أو الندوات المنظمة، إضافة إلى العديد من الدراسات، والنصوص الابداعية التي تأخذ على عاتقها فيما تطرحه مفاهيم وتوجهات النسوية كمقاربات بعيدة جدا وان كانت وثيقة صلة بتعزيز فكرة الذات، والحرية، والهوية.
تجذرت الحركة النسوية مرة أخرى في السياق الأبوي المستحدث، والحديث على حد سواء نتيجة إرهاصات متعددة وصادمة. وضمانا لبقائها واستمراريتها اندمجت في مؤسسات وجمعيات خيرية، وأهلية، وحكومية، فهي في منطقة الخليج العربي تتمثل في منظمات، وجمعيات تلي مسماها صيغة "خيرية" بمعنى قصرها على التمثل في الأنشطة الاجتماعية الخيرية حصريا - والتي تحولت تدريجيا الى خدمات اجتماعية متعددة ليس إلا وهذا في حد ذاته كفكرة أمر مشكور إذا كان محسوبا على الجانب الخيري وليس النشاط الفكري/ الثقافي.
كان من الطبيعي أن تعتمد النسوية كتوجه حقوقي في منهجها الفكري/الثقافي على مواجهة وتفكيك البنى الثقافية التي تعمل كمحرض على اللامساواة، والإقصاء، والاستلاب. الأمر الذي وان بدأ يسير بالاتجاه الأهم، إلا أنه في حقيقته يتورط في كل مرة في صراع الحقوق: وهو الصراع الذي ترفضه ذهنية المجتمعات العربية باعتبار أنها مجتمعات أبويه في بنيتها العميقة، وتكوينها النفسي والاجتماعي. وهنا تواجه النسوية اليوم أكثر وأكبر التحديات، الخارجي منها والداخلي، فالنسوية حسب تصور المجتمع، والبنى الثقافية السائدة لازالت تعمل بقوة اعتقاد راسخ يدعم فكرة انه يجب على النسوية - كحركة ثقافية أو تنظيمية - أن لا تنفرد بسياقها، وإمكاناتها في المجتمع بحال من الأحوال ولهذا تظل غائبة ومغيبة.
من هذه المنطلقات الصارمة أُنتقد التوجه النسوي بقوة، واعتبر شعار "تحرير المرأة" رمزا للفوضى، والتمرد، وأدى هذا الخلط في مفاهيم الحرية، ومطالب النسوية إلى خلل كبير في تطور أو تقدم النسوية باعتبارها هوية تمتلك خطابا فكريا، أو حتى نظرية من شأنها إعادة صوغ الثقافة تجاه المرأة ومن ثم النسوية بشكل عام.
هكذا أصبحت أجندة النسوية مثار اتهام، وجدل منذ البدايات واستمرت في هذا الاتجاه حتى وضعت في السنوات الأخيرة على قائمة غير المرحب بهم في صراع الأنا، والآخر، وساد حس المؤامرة بين الأطراف كافة، ووجهت أصابع الاتهام إلى أي تحرك نسوي، وأدخل الفكر النسوي إلى صراع حقوق المرأة، وتحرر المرأة العبارتان غير المرغوب بسماعهما بحال من الأحوال.
بالمقابل لم تشكل النسوية الفكرية، أو الحقوقية تبعا لهذا أية إضافة للمرأة، مثلما أنها لا تشكل أي تهديد للمجتمع التقليدي كما يُعتقد..، لأنها في حقيقتها كحركة فكرية/ حقوقية لم تتمكن من تحقيق ضروراتها، أو تطوير إستراتيجيتها، وعلقت في مناوشات دراماتيكية للحضور كمنظمات، أو تجمعات، أو أفكار. وغاب في مجمل كل هذه التحركات الشكلية الهدف من تحديد هويتها.
ففي الدول العربية تستدمج التنظيمات النسوية ضمن اشتراطات النظم الاجتماعية والاقتصادية التي تخضع لها بلدانهم، فيما هي في منطقة الخليج العربي إن جاز وصفها بالتنظيمات النسوية تُستدمج ضمن اشتراطات دينية، وثقافية خاصة.
ولا تزال التنظيمات النسوية في المنطقة العربية - إذا ما اعتبرت تنظيمات غير حكومية - في مرحلة طفلية التكوين، فهي في بلد مثل اليمن مثلا تحاول أن تظهر، ولكنها لم تحقق أكثر من العمل على تحقيق مطالب هي في حد ذاتها من أساسيات حقوق الإنسان مثل الارتقاء بمستوى تعليم المرأة، والقضاء على الأمية المتفشية بين النساء كمثال ما تقوم به اللجنة الوطنية للمرأة اليمنية إزاء تحسين مستوى التعليم والصحة لديها.
وهكذا تختلف، بل تتفاوت مطالب، وضرورات التنظيمات النسوية من بلد عربي، إلى آخر تبعاً للظروف الاقتصادية، والاجتماعية في المقام الأول،
في منطقة الخليج العربي تتنوع الحركات النسوية، إنما تحت مسميات مختلفة، ولعل ابرز وأهم التحديات التي تواجه التنظيمات النسوية في منطقة الخليج هو تسيد الموروث الاجتماعي، والثقافي، والعرفي القبلي، الذي يحد من التحرك النسوي، ويكرس لسيادة وتنامي الدور النمطي للمرأة، وبالرغم من هذا فقد حققت المرأة في البحرين والكويت والامارات حداً أدنى من تطلعات النسوية، إلا أنها لم تكن في معظمها إلا تسويات شكلية مثلما هي شبه مغيبة كلياً في السعودية.
تبعا لهذا التباين يمكن اكتشاف وتحديد فاعلية الحركة النسوية في مجتمع ما من خلال دراسة، وتتبع نظامه الاجتماعي والثقافي، بما هو المؤشر لمنسوب الاستجابة لدى هذه المجتمعات، فباستثناء الدعم اليسير للحركة النسوية في منطقة الخليج، لم يتبن التحرك النسوي كخطاب أو وهوية، واستمرت المحاولات النسوية العربية في الحضور، إنما شكليا، وفي سياق مشوش، وغير واضح. ولم تحظ النسوية في اتجاه آخر بكثير من النجاح الفعلي، إذ يُفصل بين الفكرة كفعل، وحدوثها كممارسة.