العنوان: كامي وسارتر.
المؤلف: رونالد أرونسون.
ترجمة: شوقي جلال.
الناشر: عالم المعرفة- الكويت.
سنة النشر:
2006.عدد الصفحات: 337صفحة.
ليست السيرة الذاتية محدودة على شخصها بل هي تاريخ لعصرها، ويزداد صدق هذه المقولة حين تكون الشخصية، موضع السيرة، فاعلة ومتصلة بالحياة العامة بقدر كبير. ما لدينا اليوم ليس سيرة ذاتية بالمعنى الدقيق بل لدينا سيرة علاقة. علاقة جمعت اثنين من كبار مثقفي فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية. الفيلسوف الوجودي الرافض لجائزة نوبل "جان بول سارتر" (1905- 1980) والروائي الكبير الفائز بنوبل صاحب رواية الغريب "ألبير كامي" ( 1913- 1960). عاشت هذه العلاقة في فرنسا أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية في فرنسا وامتدت حتى وفاة كامي سنة 1960وإن لم تبقى في خط الصداقة دائما. من المعلوم أن البلاد التي تتعرض للاحتلال ثم تتخلص منه تمر بحالة من القلق والاضطراب تحتاج إلى وقت لتتخلص منه. هذا القلق العام يظهر بوضوح في الحياة الفكرية والثقافية ومن خلال رموزها. إنها فترة نقاهة يمر بها الجميع، يفعل فيها الخوف من عودة الماضي، الاحتلال/ الدمار فعله في نفوس الناس كما أن النفوس ذاتها تطمح، بتطرف إلى التغيير بغية الخروج من هذا الواقع بأي شكل من الأشكال.
نضيف إلى أهمية المرحلة التاريخية التي عاشها كامي وسارتر أنها مرحلة توهّج الأيديولوجيات وفترة الحرب الباردة. وهذه بالذات ستؤثر كثيرا في علاقة كامي بسارتر. ففي ذلك الوهج كان الانخراط في الصراع الأيديولوجي ضرورة قائمة، نتحدث عن فترة كانت القوى المنتصرة في الحرب تعيش عنفوانها، ستالين في الشرق وأمريكا الفتية في الغرب. كان مطلوبا من المثقفين اتخاذ موقف محدد فيما يجري ولدينا هنا مثقفين قادة، قادة فكر وأصحاب تأثير كبير في الرأي العام. سارتر فيلسوف الوجودية الأشهر، صاحب الشعبية الجارفة والشخصية الرمزية التي قال عنها ديغول حين طالب العسكر باعتقاله في أحداث 1968"لا يمكن أن نعتقل فولتير". وكامي المناضل السياسي والفنان المرهف الحس القادم من الجزائر ليرسّخ مكانه عن طريق رواياته ونضاله السياسي في باريس الثقافة والفن.في تلك الفترة كانت فكرة المثقف الملتزم ذات رواج كبير وقام سارتر وكامي بالتنظير لها كثيرا وكان لزاما عليهما أن يطبقاها وقد فعلا كامي من البداية وبشكل طبيعي وسارتر بحذر وتلكؤ ولكن في النهاية بقوة وصدق وبدون رجعة.
كتابنا اليوم هو أحد أعمال رونالد أرونسون أحد المهتمين بسارتر تحديدا فقد كتب وحرر عددا من الكتب منها "الحقيقة والوجود عند سارتر" و"النقد الثاني لسارتر". أما مترجم الكتاب فهو المترجم المعروف شوقي جلال وهو مؤلف ومترجم مقتدر يعتبر هذا الكتاب مثالا جيدا على هذا الاقتدار. يتكون الكتاب من عشرة فصول يسبقها استهلال وتعقبها خاتمة وتذييل. يستخدم المؤلف أسلوب التاريخي الخطي في دراسة العلاقة. فيبدأ بلحظات البداية ثم التطورات مرورا بالأحداث الكبرى والمنعطفات التاريخية في مسيرة الرجلين. ويعتبر المؤلف نصوص الرجلين انعكاسا للأحداث التي تقع بينهم ويتلمس فيها ما قد لا يبدو ظاهرا في تفاعلاتهما اليومية. يعتمد المؤلف الأحداث التاريخية كأساس للقصة ويبحث عن شواهد لها في كتابات سارتر وكامي سواء في الكتب أو في الصحف. كما انه يعتمد على الرسائل المتبادلة المنشورة والسير الذاتية التي كتبت عنهما وكذلك على تعليقات القريبين منهما خصوصا سيمون دي بوفوار ( 1908- 1986) رفيقة درب سارتر. كل هذا من أجل فهم هذه العلاقة المتوترة بين الرجلين علاقة الصداقة القوية التي انقلبت إلى عداء ومفارقة حادة.
التقى سارتر وكامي لأول مرة في 1943عند افتتاح مسرحية سارتر "الذباب" كان سارتر مشهورا ذلك الوقت وكان كامي قد بدأ خطوات الشهرة فقد أصدر قبل اللقاء بعام روايته الأشهر "الغريب" وكانت حدثا مهما وبارزا في الوسط الثقافي في فرنسا. تحول اللقاء بسرعة إلى صداقة حميمية ووجد سارتر في كامي "شخصا جديرا بالحب". ورغم التوافق العميق في هذه الفترة إلا أن المفكرين المعتدين كثيرا بحريتهما احتفظا برؤى نقدية عن بعضهما وإن لم يصرحا بها مباشرة. تضيف دي بوفوار تفاصيل دقيقة عن العلاقة فتدخل فيها على الخط الفكري قضايا شخصية ونفسية منها روح المنافسة بين الرجلين بعد أن تحولا إلى نجمين شهيرين وتفاصيل عن العلاقات النسائية وإن لم تكن دائما واضحة أو مؤكدة.
في الفصل الثاني يتحدث المؤلف عن الظرف الذي غلّف التعارف الأول بين كامي وسارتر ظرف "الاحتلال.. المقاومة.. التحرير" شهدت هذه الفترة متانة واضحة للعلاقة وإن كانت المعادلة اختلفت. فسارتر الفيلسوف أصبح الآن تابعا لكامي المناضل. سارتر المنظّر الكبير مبتدئ في العمل الحركي النضالي. كان كامي رئيسا لتحرير الصحيفة السرية "كومبا" التي قادت المعارضة إبّان الاحتلال الألماني وتعاون سارتر مع الصحيفة من خلال الكتابة. في هذه الفترة كان الموقف من العنف موقفا أساسيا في تفسير علاقة سارتر وكامي وهو موقف يفسر من خلاله مؤلف الكتاب الكثير من الأحداث. كامي ضد العنف بكافة أشكاله باستثناء إخراج المحتل أما سارتر فكان يرى أن العنف بصورة ما ضرورة تاريخية ومما لا بد منه.
في الفصل الثالث "التزامات ما بعد الحرب": فرضت حالة ما بعد الحرب عملا مكثفا على المثقفين، في وقت كان لهم أعلى الصوت، عمل سارتر على مجلته الشهيرة "الأزمنة الحديثة" وعمل كامي في "كومبا" رئيسا للتحرير. أصبحت الوجودية موضة العصر. كان لدى كامي موقف من الوجودية رغم انه يصنف وجوديا عند البعض بينما أكد في أكثر من مرة على اختلافه عن الوجودية وبالتالي عن سارتر وبحسب المؤلف أرونسون فإن كامي كان يسعى لإخراج نفسه من مظلة سارتر التي وضعه الكثيرون في ظلالها. اعتراض كامي على الوجودية هو أنها "تختزل الإنسان وترده للتاريخ". بمعنى أن هناك سياق تاريخي لا يستطيع الإنسان الخروج منه. وهذه أيضا هي نقطة خلاف كامي لاحقا مع الشيوعيين ومن قاربهم مثل سارتر.
في الفصل الرابع يتحدث المؤلف عن " نقطة التحول عند كامي" وهي تبدأ مع بداية الصراع بين الرابحين في الحرب المعسكر الشرقي والغربي. في هذه الفترة بدأت تصل أخبار جرائم الستالينية للعالم وبدأ كامي في نقد الماركسية حتى اعتبر كل ماركسي مجرما وقاتلا. هذا الموقف فتح عليه النار من الحزب الشيوعي الفرنسي الكبير والمؤثر. آذى هذا الهجوم كامي كثيرا وزاد من حدة موقفه. في الفصل الخامس الجهة المقابلة "نقطة التحول عند سارتر" ففي الفترة ذاتها حدث تحول عند سارتر باتجاه العمل السياسي و" الالتزام"، كتب كتابه الشهير "ما هو الأدب" وجعل من قضية رفع الظلم أساسا لتعريف الأدب، ألف الكثير من المسرحيات في ذات السياق واستمرت "الأزمنة الحديثة" في تألقها.
في عام 1952اتخذ كل من كامي وسارتر مواقفهمها النهائية في الحرب الباردة. وقف كامي ضد الشيوعيين بكل حزم بينما تحالف سارتر معهم وهنا حلّت القطيعة. في أجواء الحرب الباردة كانت مثل هذه المواقف نهائية وتؤدي للقطيعة، اليوم المواقف أقل حدة، فالأيديولوجيا ليست في أوجها هذه الأيام وسقوط المعسكر الشرقي جعل الصراع يتخفى في أشكال أخرى أقل وضوحا. كان كل من كامي وسارتر ينظر للأمر من نافذته الخاصة، نافذة كامي كانت مفتوحة على جرائم الشيوعية وحياته تزداد ضغطا بسبب هجومهم عليه. سارتر كانت نافذته مفتوحة على العمال والطبقات الفقيرة التي لن تجد نصيرا أفضل من الشيوعية.
سنة 1951ظهر كتاب كامي "الإنسان المتمرد" وأحدث الكثير من الجدل حوله، كان الكتاب يناقش القضايا السياسية ويعرض وجهة نظر كامي مما سيثير الكثير من ردود الشيوعيين والوجوديين عليه. لم يكتب سارتر عن الكتاب احتراما لصديقه غير الحميم الآن، كلف سارتر كاتبا شابا وكتب ردا قاسيا على كامي. رد كامي وجعل رده موجها لسارتر نفسه، رد عليه سارتر أيضا وأعلن القطيعة "عزيزي كامي: لم تكن صداقتنا سهلة، وإن كنت سأفقدها. إذ أنهيتها ليوم...".
استمرت القطيعة حتى وفاة كامي 1960في حادث سير، ألقى سارتر كلمة مؤثرة في حفل تأبينه وذكره كأوفى الأصدقاء. انتهت القصة ولكن الدرس الذي يمكن استخلاصه منها كبير. برأيي أن الخلاف الفكري من الطبيعي أن يؤدي إلى نهاية الصداقة، من الخطأ أن يتحول للعداوة ولكن الصداقة تستلزم التقارب الفكري. المشكلة تكمن في الحدة والتطرف في المواقف والاستسلام لإغراء الأيديولوجيا. كان كل من كامي وسارتر ضميرا لعصره، ومثالا للمثقف الملتزم الذي لا يزال ضروريا اليوم في ساحتنا العربية. وسنحاول في الأسبوع القادم التعرف على سارتر أكثر من خلال كتاب صدر عنه حديثا.
abdullah407@hotmail.com