التاجر الوجيه الدمشقي، لم يكن يعلن بأن صلبه يتصل بسلالة الشعراء، وبأن تأثره بعمه أبي خليل القباني الشاعر والمؤلف والملحن والذاهب مبكراً للمساهمة في بناء النهضة المسرحية في مصر مطلع القرن الفائت، سوف يتألق رغبة في انجاب الشبيه الشاعر نزار قباني.
والطفل نزار الذي ولد في عام 1923في بيت دمشقي ينام على كتف اسواره وباحته الواسعة الياسمين كان يمثل الرغبة العارمة عند الأب في إنتاج الفارق بين الشاعر الاجرائي والممثل "أبو خليل القباني"، والتاجر الوجيه الذي يتوجه الوقار الشامي سيداً كل صباح.
انها ضجة الخلق التي ستشكل الطفل نزار مبكراً، وسترسم ثورته الشعرية ليحدث هذا الفرق، وعن هذه الطفولة يقول نزار: امتازت طفولتي بحب عجيب للاكتشاف وتفكيك الأشياء وردها إلى اجزائها ومطاردة الاشكال النادرة، وتحطيم الجميل من الألعاب بحثا عن المجهول الأجمل، عنيت في بداية حياتي بالرسم، فمن الخامسة إلى الثانية عشرة من عمري كنت أعيش في بحر من الألوان، ارسم على الأرض وعلى الجدران، وألطخ كل ما تقع عليه يدي بحثاً عن أشكال جديدة، ثم انتقلت بعدها إلى الموسيقى، لكن مشاكل الدراسة الثانوية شغلتني عن هذه الهواية، وكان الرسم والموسيقى عاملين مهمين في تهيئتي للمرحلة الثالثة وهي الشعر، في عام 1939كنت في السادسة عشرة، توضح مصيري كشاعر حين كنت وانا مبحر إلى ايطاليا في رحلة مدرسية كتبت أول قصيدة في الحنين واذعتها من راديو "روما".
إلى هنا كان يمكن لرغبة الأب التاجر النائمة في روحه لانجاب الشاعر ان تتوقف عند هذا الحد، ليكون الشاعر تحصيل حاصل الحادثة مثل كل الشعراء الذين واكبوا نزار، وقتلتهم عادية الرومانسية وفهاهتها، لكن رغبة "الأب" في انتاج الشاعر وتثويره وتفجير حادثته تقوده إلى أن يجبر شقيقة "نزار"" على الزواج من رجل لا تحبه، لكن شقيقة نزار تقدم جسدها وروحها كقربان افتداء لرفض الزواج، وتنتحر!.
وهنا تستيقظ المرأة العربية في موهبة نزار، لا بل هنا تحديداً تنهض انثى نزار شعراً يزلزل رتابة الكتابة الشعرية العربية وقتها والجبن التاريخي لحبر شعراء تلك المرحلة.
وهنا حدث نزار الشاعر في مجموعته الشعرية الأولى "قالت لي السمراء"، 1944واتبعها بمجموعته الثانية "طفولة نهد"
1948.من هنا بدأ نزار الشاعر بالرغبة النائمة في روح ابيه لتخليق الشاعر بأن ازاحها جانبا لابل فك ارتباطه معها، وانبثقت الموهبة الشعرية النزارية التي اخترعت انثاها العربية التي شكلت في أواخر الخمسينيات ونهاية الستينيات والسبعينيات من القرن الفائت ما يمكن تسميته بالانثي المشتهاة، أو الانثى النزارية، لا بل ذهبت موهبة نزار إلى الذائقة الذكورية العربية كي تهشمها وتشظيها لتعيد تشكيلها من جديد.
ليس صحيحاً
ان جسد المرأة لا يؤسس شيئاً ولا يبدع شيئا
فالوردة هي انثى.. والسنبلة هي انثى
والفراشة والاغنية والنحلة
والقصيدة هي انثى
اما الرجل فهو الذي اخترع الحروب والأسلحة
واخترع مهنة الخيانة
وزواج المتعة
وحزام العفة
وهو الذي اخترع ورقة الطلاق
بهذه اللغة الشعرية البسيطة والعميقة اثث الشاعر الدمشقي نزار قباني حضوره إلى درجة ان جيلاً كاملاً واكب نزار كان يحتفظ بكراسة محاولات لكتابة شعر يشابه شعر نزار، بسبب غواية البساطة والعمق!.
وبهذه اللغة النزارية استطاع نزار ان يتوج بقصائده العديد من الألحان لكبار ملحني عصره، وان يقود قصيدته المغناة نحو الموسيقى واصغاء بسطاء الناس.
ونزار قباني الذي كان سفيراً لبلاده في القاهرة وانقره، ولندن ومدريد وبكين هجر البرتوكول الدبلوماسي مبكراً لكي يظل شاعراً يهجس بأوجاع الناس وهموم المرأة وتثويرها.
لكن الانقلاب المدمر لبنيان نزار قباني الشاعر كان بالفعل لحظة نكسة حزيران، حيث نلحظ أن نزار هجر انثاه العربية المقترحة ليمسك بالهم القومي من أوله، كي يفضح خسارات النظام السياسي العربي، لا بل خسارات تضخيم الذات العربية وتوريمها تاريخياً، وينهض العربي من نومته المزمنة التي فجرتها نكسة حزيران، ليصبح نزار قباني علامة حقيقية ومتميزة في الأدب الحزيراني الذي اعقب النكسة.
يا وطني الحزين.
حولتني بلحظة
من شاعر يكتب الحب والحنين
لشاعر يكتب بالسكين
وظلت التحولات تفجر طاقة نزار الشعرية وتؤجج نارها في حوادث متلاحقة تمثلت في موت ابنه الشاب، واحتلال بيروت، وموت زوجته الفراتية"بلقيس" في انفجار السفارة العراقية في بيروت.
وكان على الفتى الدمشقي، ان يصاب بنوبة قلبية في لندن عام 1998بعيداً عن باحة البيت الدمشقي والاحتمال الأكيد لتفتح الياسمين كل صباح، ربما كي يلتحق بالأب التاجر الذي كان ضرورياً لإحداث شاعر بحجم نزار.