بحث



الخميس 29 جمادى الآخر 1429هـ -3 يوليو2008م - العدد 14619

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


استجابة القارئ 3/3
موجهات تلقي ريادة العواد نحو الاستجابتين الموضوعية والإقصائية

د. محمد الصفراني
    ونعني بموجهات التلقي: مجموع العوامل التي كان لها الأثر البارز في توجيه تلقي ريادة العواد الشعر الحر سواء نحو جهة الاستجابة الموضوعية، أم نحو جهة الاستجابة الإقصائية.

ومن خلال تتبعنا موجهات تلقي قضية ريادة العواد الشعر الحر وجدناها تتمثل في أربعة موجهات.

1-2- القيود المنهجية.

ونعني بالقيود المنهجية: ما يفرضه الباحث على دراسته من محددات وشروط بيئية مكانية أو زمانية لإبراز إطار بحثه.

ويعد القيد المكاني من أهم القيود المنهجية التي وجهت تلقي ريادة العواد الشعر الحر نحو جهتي الاستجابة الموضوعية، أو الإقصائية. ويتمثل توجيه القيد المكاني ريادة العواد نحو جهة الاستجابة الموضوعية في أن معظم الدراسات التي تناولت الأدب العربي في السعودية وتطرقت إلى قضية ريادة العواد الشعر الحر توقفت عند إثبات ريادة العواد الشعر الحر على المستوى المحلي، وقلدته الريادة. ويتمثل توجيه القيد المكاني ريادة العواد الشعر الحر نحو جهة الاستجابة الإقصائية في أن تلك الدراسات نفسها لم تستطع التوسع في إثبات ريادة العواد الشعر الحر على مستوى الأدب العربي الحديث بشكل عام بسبب خضوعها للقيد المنهجي المكاني الذي تقوم عليه والذي يحصرها داخل الإطار الجغرافي لحدود المملكة العربية السعودية. وبالرغم من اشتغال القيد المكاني على جهتي الاستجابة إلا أن كسره كان سيقود تلك الدراسات إلى - منذ زمن مبكر - إثبات ريادة العواد الشعر الحر على مستوى الأدب العربي الحديث ومن هنا فإن للدراسات المتبنية للاستجابة الموضوعية مبررا منهجيا لتوقف عند حدود المحلية في قضية ريادة العواد الشعر الحر.

2-2-القوانين النقدية.

ونعني بالقوانين النقدية: القوانين التي وضعتها نازك الملائكة والتي تقضي من خلالها بدخول النص الشعري حيز الشعر الحر أو خروجه منه.

وتعد القوانين النقدية من أهم الموجهات التي وجهت تلقي ريادة العواد الشعر الحر نحو جهة الاستجابة الإقصائية. حيث توقف معظم الباحثين عند نص العواد الموسوم ب "خطوة إلى الاتحاد العربي" الذي أبدعه العواد سنة 1924م وحللوه على ضوء قوانين نازك الملائكة النقدية في الشعر الحر التي وضعتها سنة 1947م وهذا لا يستقيم من ناحيتين :

1- أن قوانين نازك الملائكة لم تنبثق عن استقراء نصوص حرة سابقة بل هي موضوعة لتؤسس لنصوص آتية.

2- إن نص العواد محل التحليل كتب قبل صدور قوانين نازك الملائكة بثلاث وعشرين سنة، وبناء عليه فلا يجوز محاكمة ما فات من نصوص الشعر الحر على ضوء قوانين تؤسس لما هو آت من نصوص الشعر الحر من وجهة نظر نازك الملائكة فقط.

وقد ساهمت القوانين النقدية التي وضعتها نازك الملائكة في توجيه تلقي ريادة العواد الشعر الحر وجهة إقصائية على المستويين المحلي والعربي.

إن قوانين نازك الملائكة لا تكتسب أي شرعية نقدية نظرا لأنها غير منبثقة عن إرث إبداعي مؤسس، هذا إلى جانب صدورها عن عقل فرد عربي واحد، وليس من العقل ولا من العدل ولا من الموضوعية أن يحدد فرد واحد من بنات أفكاره هو وحده للأمة العربية القوانين التي تبدع شعرها من خلالها. لأن في هذا انتقاصاً من الشخصية العربية الإبداعية وتحجيماً للإبداع. واقتراف ما لم يجرؤ على اقترافه أحد. ولنا في الخليل بن أحمد الفراهيدي أسوة حسنة في هذا الباب. إذ إنه بالرغم من عبقريته وعلو قدره إلا أنه لم يجرؤ على سن أوزان أو قوانين للشعر العربي من بنات أفكاره وتصوراته الشخصية، بل عكف على الشعر العربي يتأمله ويستقرئه إلى أن قادته عبقريته إلى استنباط جملة من القوانين في الموسيقى والقافية من كم هائل من الشعر العربي المتراكم قبله على مر القرون، وقدم للأمة العربية علما جديدا هو علم العروض، أي أنه استنبط من موجود ولم يؤسس على مفقود. وقد لاقى إبداع الفراهيدي قبولا وإعجابا من الدارسين على مر التاريخ لأنه معرفة مؤصلة ومستقاة من تراكمات معرفية على مدى قرون طويلة. أما قوانين نازك الملائكة، فهي قوانين سنتها نازك ليكتب الشعراء على سننها ولذا فإنها لا تصلح إلا لتحليل نصوص نازك الملائكة وحدها لا شريك لها ابتداء من نص الكوليرا إلى أخر نص يسطره قلمها من الشعر الحر. ولصياغة قوانين للشعر الحر ذات صبغة علمية تقوم على استقراء النصوص واستنباط القوانين مثلما فعل الفراهيدي فإنني أظن أنه لا سبيل إلى ذلك إلا بإتباع الخطوتين التاليتين:

1- أن ترصد نصوص الشعر الحر ابتداء من سنة 1921م سنة إبداع العواد نص "تحت أفياء اللواء" إلى سنة 1947م سنة إبداع نازك نص الكوليرا، وإبداع السياب نص "هل كان حبا".

2- أن تستنبط قوانين كتابة الشعر الحر من خلال الخطوط العريضة التي تشترك فيها مجمل نصوص الشعر الحر المرصودة.

3-2- السمات الشخصية للعواد.

ونعني بالسمات الشخصية للعواد: ما تتسم به شخصية العواد من سمات لها دور في توجيه ريادته الشعر الحر نحو جهة الاستجابة الموضوعية أو جهة الاستجابة الإقصائية.

ومن سمات العواد الشخصية التي وجهت تلقي ريادته الشعر الحر نحو جهة الاستجابة الإقصائية: حدة طبع العواد في التعاطي مع القضايا الثقافية وطرح ما يؤمن به من آراء تتعلق بالفكر والثقافة والأدب. ويتجلى هذا الجانب في معارك العواد الأدبية وصراعاته الفكرية مع معاصريه من رموز الفكر والأدب، فقد اختلف مع محمد حسين زيدان اختلافا وصل حد الجفوة ولعل ما يهمنا من هذا الاختلاف ما ورد على لسان الزيدان من توصيف دقيق لجانب الحدة في شخصية العواد حيث يقول "كل عيبه أنه لا يقتني الكثير من الأتباع ولا يعنى بالقليل من الأسياد.. هو سيد نفسه" 1والشعور بسيادة الذات ينبع من الإيغال في الشعور بالفردية والاعتداد المفرط بالذات الناتج عن حدة الطبع المنفر للأتباع والقالي للأسياد.

ويعبر حسن الهويمل عن سمة حدة طبع العواد حيث يقول "وأسلوبه في التعامل مع الأشياء يحمل الآخرين على تبني توجهات مضادة، ومن أبرز سماته الجرأة والاعتداد بالنفس، والمباهاة بالرأي، والادعاء الجازم كقوله: "ابتدعنا، جددنا، ابتكرنا، جاهدنا، استطعنا" وهي مقولات تعيد إلى الذهن زهو الدكتور زكي مبارك وصلفه وتعاليه إلا أن هناك فرقا بين الرجلين فزكي مبارك يدافع عن حق مسلوب والعواد ينازع على قضايا مطروحة في الطريق. وجرأة العواد تحمله على عدم الاكتراث بعواقب الآراء التي يسوقها بصيغة الجزم كقوله "الشعر المنثور شعر أصيل" وبسبب هذه الجرأة خاض معارك عنيفة حول قضايا عدة"

2.ويعبر عبد الفتاح أبو مدين عن سمة حدة طبع العواد حيث يقول "كان طابع أدبه القوة، لأنها تكمن في نفسه، وكان عنيدا، والعناد ينطلق من القوة وكان واضحا لأن الوضوح سمة الذين يعملون ويسيرون في الضوء أما العمل في الظلام والتعتيم فهو منهج الجبناء الضعاف " 3.ومما يؤكد بروز سمة الحدة في طبع العواد أن عبد الرحيم أبو بكر أحد أشد نقاد العواد موضوعية قد أبدى - وهو في ذروة الذود عنه وإنصافه - تذمره من حدة طبع العواد بعد ما أورد مقتبسا من كلام العواد عن نفسه مجليا دوره في تجديد الأدب حيث يقول "هكذا أشاد العواد بدوره في حركة التجديد، وأفصح عنها في اعتداد معهود منه، وليس لي تعليق على هذه الأسطر إلا أنه كان يحسن بالناقد العواد أن يترك تقدير أمر الدور الذي قام به إلى الباحثين والدارسين ممن يتعرض لبحث التطوير والتجديد اللذين طرآ على الشعر الحديث في الحجاز، فذلك خير من الحديث عن النفس " 4.هذه النبرة الخافتة في مخاطبة العواد لا تخلو من العتاب واللوم والإشارة الضمنية إلى سمة حدة طبع العواد في طرح الرأي على الآخرين بصورة مستفزة تصدم أحلامهم وتعري مبالغ إراداتهم.

ومن السمات الشخصية التي وجهت تلقي ريادة العواد الشعر الحر نحو جهة الاستجابة الإقصائية: حساسية العواد من الألقاب التشريفية في ميدان الأدب، وتتضح هذه الحساسية في رفض العواد لقب أمير الشعراء الذي دشن لأحمد شوقي حيث يقول "رأيي في هذه الألقاب سيئ لأنني أعتقد أنها موازين مغشوشة لتقويم الأدب تخدع السامعين والقارئين، وتنفخ فيمن توجه إليهم روح الغرور واستبطان الزعامة الموهومة، هذا فضلا عن أنها تعابير خاوية لا تحمل معاني صحيحة محترمة وأنها مبالغات مضحكة لا يطلقها إلا متملق، فالشعر ليست فيه إمارة ما، والفكر لا يحكمه أحد من رجاله ولا من غير رجاله لأنه بطبيعته حاكم غير محكوم وسيد غير مسود " 5.هذه الحساسية منعت العواد من الاهتمام بإبراز دوره الريادي، كما منعته من استقطاب أقلام معاصريه للاعتراف له بالريادة بالرغم من إدراكه ووعيه بأنه رائد الشعر الحر. وقد ساهمت سماتا العواد الشخصية المتمثلتين في حدة الطبع والحساسية تجاه الألقاب في توجيه تلقي ريادته الشعر الحر وجهة إقصائية.

4- 2- تجاذبات المراكز والأطراف.

إن بحث تلقي ريادة العواد الشعر الحر في الأدب العربي الحديث ليلقي الضوء على قضية خطيرة تلف الإبداعات الأدبية البازغة من قلب الجزيرة العربية. وتتلخص هذه القضية في محاولة ما يعرف بمراكز الثقل العربي متمثلة في: بغداد، وبيروت، والقاهرة، الاستئثار ببعض منابع الريادة مستفيدة من تقدمها في مجالات الطباعة والإعلام بوسائطه المتنوعة الذي يفوق إلى حد ما الإمكانيات ذاتها لعرب قلب الجزيرة العربية، إلى جانب الغياب شبه التام للنقاد القوميين في شبه الجزيرة العربية. وقد ساهم جذب المراكز في توجيه تلقي ريادة العواد الشعر الحر وجهة إقصائية.

@ جامعة طيبة M_alsafrani@hotmail.com

الهوامش:

1- الباعشن، محمد سعيد - العواد وهؤلاء - ص

235- الهويمل - حسن فهد - في الفكر والأدب: دراسات وذكريات - ص

349- الباعشن، محمد - العواد وهؤلاء - ص

4331- أبو بكر، عبد الرحيم - الشعر الحديث في الحجاز - ط 1- ص

5185- الفوزان، إبراهيم - الأدب الحجازي الحديث بين التقليد والتجديد - ج 3- ص951


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية