بوح الحال الأُنثوي في (كلُّهن.. أنا) للشاعرة ثريّا العريّض
بعد (أين اتجاه الشجر) الإصدار الشعري الأَول للشاعرة ثريّا إبراهيم العريّض، والمطبوع بالخبر في مطابع التريكي عام 1415ه/ 1995م، في 125ص، أصدرت الشاعرة ديوانها الثاني ( امرأة دون اسم) المطبوع بالخبر في مطابع التريكي أيضاً، عام 1418ه/ 1998م، في 171ص، وإذ تلتهب نصوص (أين اتجاه الشجر) بالهم العام لبني جلدتها موظفة الموروث الحكائي في قصة (زرقاء اليمامة) وما في عينيها من طاقة أسطورية خارقة، ترى ما لا يراه الرجال من قومها، وما في ذلك من أحمال دلالية تحيل على فعل مقاومة ثقافية تمارسه المرأة عبر القصص الشعبي المكتنز بالأسطورة، الفعل الأُنثوي - هناك - فعل استشرافي، يتصل بمصير أُمّة، والفعل الأُنثوي - هنا - يلعب على إيقاعات ذلك الفعل، ويستثمر مرموزاته في واقع أُمة تحدق بها النذر، ولا تكاد ترى للأُنثى من أثر، الأمر الذي حفّز ثريّا العريّض أن تعيد إنتاج فعل (زرقاء اليمامة) في (زرقاء الظهران)، عبر (أين اتجاه الشجر) تلك المجموعة الشعرية التي حوت ثلاثة عشر نصاً كلها معزوفة واحدة على إيقاع بحر المتقارب، ولعل ما في هذا البحر من طاقة هائلة على الامتداد مع الحكي والسرد هو الذي يفسر ذلك الاختيار الإيقاعي المقصود، الأمر الذي يذكرنا بأعمال شعرية اختارت السرد عمودها الفقري فكان كل بنائها على تفعيلة المتقارب، ولعل من آخر تلك الأعمال ومن أكثرها تعقيدا، مطوّلة عدنان الصائغ، الديوان القصيدة، والقصيدة الديوان (نشيد أوروك)، غير أنّ هناك من يرى أنّ السرد في أجمل ما يتجلى حين يكون فعلاً أنثويّاً ؛ لأنّ صدوره عنها صدور أصالة، وصدوره عن الرجل صدور استعارة، وعلى ما في التعليل التجنيسي من إشكاليات وما حوله من جدل، يبقى مطروحا للبحث، وتناوله لا يخلو من طرافة، بيد أن الأكثر طرافة من ذلك أن اسم الشاعرة (ثريّا) يساوي في قيمته الإيقاعية تفعيلة المتقارب (فعولن) وعنوان المجموعة يستبطن في حشوه تفعيلة المتقارب، أكل ذلك مصداق لما بين السرد والأُنثوي من وشائج حميميَّة.
تبقى تلك الوشائج الحميميَّة بين الشاعرة والإيقاع والأُنثى والسرد مهيمنة على الفعل الإبداعي لدى ثريّا العريّض، فمن بين تسعة عشر نصاً، مجموع المادة الشعريّة في (امرأة.. دون اسم) لا يكسر قاعدة المتقارب غير قصيدة واحدة على إيقاع الرمل (لا منادى أو نداء)، وثلاث قصائد على إيقاع الكامل (دنيا)، (الضباب)، (الحناء) القصيدة التي انزاحت بعض تفعيلاتها للهزج، وقصيدة (الفنان) التي لم تخرج على قاعدة المتقارب، وإنما مزجته بشيء من إيقاع الخبب، على أنّ التخارج الإيقاعي بين البحور في شعر التفعيلة قد يعد قيمة تعمل على التنويع وتشكيل النسيج إذا ما حقق شروط الجمال، الأمر الذي لا يكاد يخلو منه نص من نصوص شعر التفعيلة بما فيها نصوص ثريّا. إنَّ الدارسين يدركون أن الحريّة الإيقاعية المعطاة إلى الشاعر في شعر التفعيلة منحته نوعا من الحصانة أمام تقعُّرات العَروضييّن المدرسيّة، وأن بعض الخروجات الإيقاعيّة لا تلغي نسبة النص الشعري إلى البحر الذي تنحدر بنيته الإيقاعية في غالب تفعيلاتها عنه ما لم يصل النص إلى مداخلة البحور ومزجها فينسب حينئذٍ إلى مجموع ذلك المزيج كله، يبقى أنّ بقيّة قصائد( امرأة.. دون اسم) وهي أربع عشرة قصيدة من أصل تسعة عشر نصاً، كلها جاءت على القاعدة في وفائها لصلة الأُنثوي بالسردي بالإيقاعي، وللقيمة الإيقاعية في اسم ثريّا، حين جاءت كلها على إيقاع بحر المتقارب، إنه إصرار لا مثيل له في امتطاء الإيقاع للبوح الأُنثوي، وفي أُنثويّة البوح حتى الذروة في ( كلُّهنَّ.. أنا) حدّ التشظّي والحلول.
قصيدة ( كلُّهنَّ.. أنا) ذروة البوح الأُنثوي:
قصيدة (كلُّهنَّ.. أنا) إحدى قصائد (امرأة.. دون اسم) التي شغلتء منه الصفحات المرقمة: (31، 32، 33، 34، 35، 36، 37)، والمذيّلة بتاريخ: ( 2- 1986)، دون الإشارة إلى مكان إنتاجها الذي أُشير إليه في تذييل ثمانية نصوص منها: (ليلة الدان)، (الرواية)، ( أُغنية لابن ماجد)، وغيرها.. ولم يكن المكان غير محل سكنى الشاعرة وهو: (الظهران)، فيما أُغفل ذكر المكان مطلقاً في مذيّلة عشر قصائد، منها: (الحنَّاء)، (رقصة العاصفة)، (اليقين) وغيرها.. إضافة إلى (كلُّهن.. أَنا)، الأمر الذي يثير تساؤلا عن دور الوعي واللاوعي في عملية توثيق النص الشعري لدى ثريّا العريّض، ولعل قراءة تحليلية لنص من نصوص الشاعرة مثل (كلُّهن.. أَنا) بما ينطوي عليه من وعود، لا يتيح للدارس أن يتجاهل ما تجاهلته مذيّلته، وهو يمارس فعل القراءة في أُفق ذلك التساؤل.
لازمة التوحُّد الأُنثوي بين الأنا الفردي والأنا النوعي:
مستهلُّ (كلُّهنَّ.. أَنا) جملة (كلُّ هذي الوجوه.. أَنا) ص31، تلك الجملة الشعريَّة التي تشكل خميرة النص، والتي تعمل فيه عمل الرحم الأُنثوي الوَلُود الذي سيصدر عنه النص كلُّه ؛ ما يفسّر تكاثره في النص تكاثر اللازمة ليأءخذ وظيفته في عملية تكثير جمل النص وولادتها. إنها الدالّة الأُنثوية الثانية بعد دالّة الإيقاع المشار إليها بإفاضة، وإذا كان الإيقاع سبَّاقاً في الحضور باعتباره كائناً صوتيّا، فإن انتظام تلك الحُزم الصوتيّة في بنية تركيبيّة هو الحضور الثاني من أشياء النص، وقد تمثّل في اللازمة التي ينصهر الأنا الفردي والأنا النوعي في سُورَيءها: (كل) و(أنا)، ليغدو الأنثوي واحداً في المجموع، ومجموعاً في الواحد، كائناً ماهوياً يبحث عن محقّقاته الوجودية، وهو ما يفسّر إغفال المكان في موثَّقة النص ؛ لأنّ ما بالماهية لا مكانَ له قبل تحقّقه وجوديّاً، وهو ما ينشغل به نص ثريّا في بوحه الأنثوي العارم، ولا سيّما النص المدروس هذا ؛ كون لازمة (كل هذي الوجوه.. أَنا) تتكرر أَربع مرّات كفواتح مقطعيَّة: المقطع الأول ص31، المقطع الثاني ص32، المقطع الخامس ص33، المقطع السادس ص 33، ويعاد تكرارها في مقاطع أُخرى وفي غير فواتحها، وبصيغ مغايرة، تشكِّل تنويعاً على قول معطى سلفا في النص، لإرادة توكيده، وربما بتركيب أَكثر اقتصاداً وتكثيفاً مهَّد له القول المؤَكَّد فحلَّ خفيفاً بإضافة جماليَّة مغايرة: المقطع الثالث ختمته بهذه الصيغة (كلهن.. أنا) ص 32، المقطع الرابع توسطته هذه الصياغة للقول (تلهث أنَّاتُهنَّ/ بصوتي أنا.. كلُّهنَّ) ص 32، المقطع السابع كاملا، استفتحته بهذا التركيب (أنا كلُّ موءودةٍ لم تكن) ص 35، وأتبعته مباشرة (كلُّ ذاتٍ تُطالب ألا تموت/ وتنضو الكفن) ص 35، المقطع الثامن المفتتح بهذه الجملة الاستفهاميّة (منء يطالب مَنء) ص 35، ليكون تأكيد اللازمة تمامه (كلُّهُنَّ أَنا../.. وأَنا كلُّهُن) ص 35.وإذا كان توثيق النص بالزمن الفيزيائي ( 2- 1986) فإن زمن التحقّق الوجودي، زمن الحلم الأُنثوي المدفون في البيوت لا يشعرها بغير الزمن الفيزيائي، أما الزمان المنشود، كالمكان المنشود، فغير موجود إلا في العمق المتوحد فرداً ونوعاً في الأُنثوي عبر صوت الشاعرة: (كل هذي الوجوه.. أنا/ التي الحلم بأعماقها لا يموت/ والتي تتأَرجح/ بين الحقيقة والحلم / دون زمن) ص 31، وعلى هذا الإيقاع المتوتّر بين الحقيقة المرّة والحلم اللذيذ، يمضي النص ليعيد للمرأَة في كل النساء الأنا الأُنثوي الواحد، ولترى ثريّا الشاعرة ذاتها في كل امرأة، وترى كل امرأة في ذاتها ثريا، لتتلألأ كل الثريّات في سماء الوجود وتحقّق الأنا الأُنثوي المنشود. في نبرة حزن عميقة الدلالة لا تقوى على إخفائها تصرخ ثريّا وبوح الوجع الأُنثوي يهدر كالسيل: (كلُّ هذي الوجوه أنا/ تحاصرني أينما أتجه/ بأحلامها.. بجدائلها../ بالعيون/ يكحّلها الحزنُ كلَّ صباح/ يغلّفها اليأسُ كلَّ مساء) ص 32، وإذا كان تشظي الجسم في الجسوم - بحسب ابن الورد: (أُوزِّع جسمي في جسوم كثيرة..) يتيح لنا وعي الأنا المتشظية من وجه، فإنَّ حلاجيّة في: (أنا من أهوى ومن أهوى أنا...) - تعمل على كشف وجوه أخرى من دلالات هذا الضرب من التناول الشعري والعزف على أوتار الوجد بأصابع الوجود بغض النظر عن الموافقة أو المخالفة للرؤيا التي يصدر عنها القول، الأمر الذي يضع شعريّة التناول لدى ثريا باعتبارها أُنثى في سياق تمثيل ثقافي للنوع الأُنثوي فهي هنَّ، وكلُّهنَّ هي، فإن عاتبتهن أو حاربتهن غيرة على وضعهن المحبط، فهي المعاتَبَة والمحَارَبة: (من يعاتب من؟ / من يحارب من؟ / كلُّهنَّ.. أنا) ص 32، بل حتى ثيابها - وكلُّنا يعلم ما للثياب من دلائل سيميائية في عالم المرأة - قبل صوتها تنبض بالألم الأُنثوي كليّاً في الفردي/ ثريّا: (في ثيابي الموشّاة تنبض ألامُهن/ تلهثُ أنّاتُهن/ بصوتي أنا.. كلُّهن) ص 32، ناعية تلك الحال الأنثوية في بوح مخنوق: (وجوهٌ مشوّهة في المرايا القديمة/ محاصرة بين خوف وظن) ص 32، وأي شعور بالضيم الأنثوي أقسى من التوحّدِ والموءودة في هذه الحشرجة المصيريّة: (أنا كلُّ موءودة لم تكن/ كلُّ ذاتٍ تطالبُ ألاّ تموت/ وتنضو الكفن) ص35، إن توحّد الأنثى/ ثريّا، بالأُنثى/ الموءودة، واستنطاق ذلك التوحّد ليسمعنا صوت الذات الموءودة التي تحاول مقاومة فعل الوأد دون جدوى، والتي تحاول أن تنضو الكفن، وما يحيل عليه صوت الأنثوي النوعي من معادل موضوعي - لأمرٌ مهولٌ حقاً حمّل الشاعرة النادبة في قولها: (مَنء يُطالبُ مَنء/ كلهنَّ أنا../ .. وأنا كلّهن) ص 35- حمّلها مسؤولية الفعل المقاوم لأفعال الوأد منذ الدروب العتيقة حتى آخر عيون أنثويّة غائرة بالأسرار التي تنضح بها الأَحزان: (كلُّ هذي الوجوهِ أنا/ تطاردني/ في الدروب العتيقة/ لتُفضي إليَّ العيونُ الحزانى/ بأسرارها/ تطالبني أن أثور/ تحمّلُني عارَها/ ثارَها) ص 33، وبين العار والثار يستحلب الوجع الأُنثوي لغة لاهجة بالندوب، غاصّة بالإنشاء: (مَنء يُحاسِبُ مَنء؟ / مَنء يُعاقِبُ مَنء؟ / ولأَيِّ جريمة..؟/ الصراخ..؟/ السكوت..؟/ قبول الهزيمة..؟) ص34، وإذا كان المنطقي، والظاهر، وكل نواميس الوعي والشعور، جميعها في صمم مميت، فإن باب الزمن الموصدة لا تفتح إلا تنقيباً في اللاشعور وتعرية للتناقض، وانتباها من خدر الرغبات السحيقة، ومن كل تلك المُدءرَجات في عداد الهزيمة: (التناقض في اللحظات الأَليمة..؟/ التعلّقُ بالرغباتِ السحيقة..؟/ تبثُّ بأعماقنا النارَ عبرَ العصور/ تنقِّبُ في اللاشعور/ تواجهنا بالحقيقة/ وتفتحُ بابَ الزمن) ص 34، ولكن حتى يحين انفتاح باب الزمن، يبقى البوح الأنثوي في صوت ثريّا يستولد قوة من أحشاء الضعف لدى الإحساس بالتوحّد التمثيلي للأنثى بإناث مسكونات بالحزن، يقاومن بالأحلام وبأظافر أمالهن صخرة القهر والنبذ والبخس، يقاومنها موتاً قابضا على الرقاب، جاثما فوق الصدور، فأيُّ بأس ، هذا الذي (سينشأ من صميم اليأس..) - بحسب الجواهري - تحمل في وجعها الأنثوي المتسائل ثريّا: (فهل ستولِّدُ أحزانُهنَّ/ بِضعفي أنا صرحَ قوَّة؟ / وهل بأظافرِ آمالهن/ أنحتُ في صخرةِ الموتِ كوَّة؟ / بأحلامهنَّ المضيئةِ/ أشعِلُ في ظلمةِ اليأسِ جذوة؟ / أفجِّر في قنواتِ الجفافِ بأعينهنَّ/ ينابيعَ نشوة..؟) ص36، إن استيلاد الأحزان يضمر تأنيثاً لها، تلك هي اللغة اللاهجة بندوب الوجع الأنثوي، وبوعوده أيضا، بكُواه، اضاءاته، ينابيعه، وانتشاءاته.. ، بيد أَنَّ حبسة ما لأصداء صرخة مأزومة لإناث في شرايين أنثى تختنق: (بحلقي أنا تتأزَّمُ صرختُهن/ وأحبس أصداءَها في الشرايين) ص37، - تحيل في هذا المنولوج بوحها إلى حمم وشظايا غاضبة: (فهل سأمزِّقُ هذا السكوت/ بأسناني العارية/ وأطلِقُها صرخةً داوية/ يهزُّ صداها البيوت/ تُحطِّم كلَّ المرايا الرديئة/ تُعرِّي النوايا الخبيثة/ وتجتثُّ أنسجة العنكبوت) ص 37، وإذ تأخذ الصرخة المدويَّة فعلها التطهيري عبر الهدم والبناء، الهدم لكل ما هو قبيح، القبح الذي ترجعه الشاعرة إلى أدواء مفهوميّة، وتربوية في إشارة إلى (العنكبوت) و (البيوت)، ولا تخفي في تعريتها (النوايا الخبيثة) أن ثمّة ما يحتاج إلى تحليل موقف، فضلاً عن الرؤى التي انصبَّ عليها جُماع النص، ما يعني ضرورة وعي التشوهات والعمل على محوها: (وتمحو عن الجبهات ندوب التشوّه) ص37، المحو فعل سلبي إلا أنه ذو أثر إيجابي، تجميلي، يخلّصها والأنثى فردا ونوعا: (من وصمة الخوف والظنِّ) ص 37، وما إلى ذلك
ممّا تراه يتحدَّر عن: (العقد البالية) ص 37، الجملة الأخيرة في قصيدة (كلُّهنَّ.. أنا) والتي عملت خميرتها في الجملة الشعرية الأولى منها: (كلُّ هذي الوجوه.. أنا) ص31، على تفكيكها رؤى ومواقف في احتدام مثَّل حال أُنثى في إناث وإناث في أُنثى، ليتجلى الأُنثوي النوعي وجهاً ثريَّاويَّا في المرأة/ المرأة، وفي المرأة/ الشاعرة، وفي (كلِّ الوجوه البريئة) ص37، التي تَوحَّدتها بوحا أُنثويّا في متقاربة (كلُّهنَّ.. أنا) الشاعرة ثريَّا إبراهيم العريّض.
@ كاتب وناقد أدبي