التفكير ضرورة حيوية ولاكتشاف نواميس الحياة وقد دعا إلى ذلك القرآن الكريم، فحث على النظر العقلي والتأمل والفحص وتقليب الأمر على وجهه لفهمه وإدراكه وعليه فإن التعليم من أجل التفكير، أو تعلم مهارته شعار جميل نردده دائماً من الناحية النظرية، أما على أرض الواقع فإن الممارسات الميدانية لا تعكس هذا التوجه فالطابع العام السائد في وضع المناهج والكتب الدراسية المقررة في التعليم العام لا يزال متأثراً بالافتراض السائد الذي مفاده أن عملية تراكم كم هائل من المعلومات والحقائق ضرورية وكافية لتنمية مهارات التفكير لدى الطلبة.
وحتى مع انطلاق فكرة مشروع لائحة تقويم الطلاب التي تهدف إلى تصحيح المفهوم السائد عن التعليم الذي أصبح فيه الاختبارات غاية في حد ذاتها لا من اجل التفكير السليم ورفع قدرات الطلاب على حل المشكلات والتعلم الذاتي، والتعلم المستمر، وغيرها من القدرات الذهنية، إلا انه مازال يعتمد النظام التعليمي والتربوي في تقويم الطلاب على اختبارات مدرسية وعامة قوامها أسئلة تتطلب مهارات معرفية متدنية، كالمعرفة والفهم، وكأنها تمثل نهاية المطاف بالنسبة للمنهج المقرر وأهداف التربية.
وهذا ما ينعكس على حشو عقول الطلاب بالمعلومات والقوانين والنظريات عن طريق التلقين، كما ينعكس في بناء الاختبارات المدرسية والعامة والتدريبات المعرفية الصفية والبيتية التي تثقل الذاكرة ولا تنمي مستويات التفكير العليا من تحليل ونقد وتقويم، ولأن آراء النشء من الجيل الجديد في المستوى التعليمي والاختبارات المدرسية والمواقف الحياتية أثناء الدراسة وبعد انتهائها هي نتاج تفكيرهم وبموجبها يتحدد مدى نجاحهم وتقدمهم داخل المؤسسة التعليمية وخارجها في المستقبل.
"الرياض" التقت عدداً من الطلاب والطالبات لنقل وجهة نظرهم في العملية التعليمية من حيث أساليب التقويم، وملاحظاتهم حول السلوكيات السائدة والمألوفة في كثير من مدارسنا ويحرص عليها المعلمون جيلاً بعد جيل.
الإبداع والاستقلال
تقول خلود عياد الحربي طالبة في الصف الثاني الابتدائي وبمنتهى البراءة: أود أن ارفع خطاب إلى وزير التربية والتعليم نطلب منه أن يقف نشاط التدريبات البيتية المتمثلة في نقل المعلومات من الكتاب إلى الكراسة وأن نستبدلها بعمليات البحث لمواضيع ذات صلة بالقصص والأناشيد من الانترنت فحسب رأيها انه أسلوب أكثر تشويقا في الإطلاع وممارسة القراءة، مطالبة بتفعيل الأنشطة المدرسية ووجود الألعاب المهارية الحركية كالسباحة والألعاب الرياضية وان يتوسعوا في إعطائنا الوقت الكافي في مواد الرسم والحاسب فهي أيضا مفيدة لنا من حيث انه يمكنا إنتاج أعمال فنية تمكننا من المشاركات إنا وصديقاتي في المعارض وفى حال عرضها للاستهلاك تساعدنا على الاعتماد على ذاتنا في توفير المصروف الشخصي، ولو تحققت هذه الأنشطة ستكون المدرسة أجمل مكان اذهب إليه ولن أتغيب عنها أبدا.
مهارات تفكير متدنية!
وتقول هنادى عبدالهادى في الصف السادس الابتدائي: إن دورنا داخل الغرفة الصفية يقتصر على الاستماع ومراقبة المعلمة وهى تشرح والمناقشة فقط من اجل ترديد المعلومات التي ذكرتها المعلمة مسبقا تعتمد فيها على عدد محدود من الطالبات لتوجه إليهن الأسئلة الصفية، مشيرة إلى أن الممارسات الصفية قائمة على الترديد والتكرار والحفظ المجرد من الفهم وأن معظم أسئلة المعلمة من النوع الذي يتطلب مهارات تفكير متدنية!!.
وقت كاف للتفكير
أما عبدالله محمد طالب في المرحلة المتوسطة يقول: المعلم هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في الصف ونادراً ما يبتعد عن السبورة أو يتخلى عن الطباشير، أو يستخدم تقنيات التعليم الحديثة لا يعطينا نحن الطلبة وقتاً كافياً للتفكير قبل الإشارة إلى أحدهم بالإجابة عن السؤال وهو يحتكر معظم وقت الحصة والطلبة متلقون خاملون كما انه مغرم بإصدار التعليقات المحبطة والأحكام الجائرة لمن يجيبون بطريقة تختلف عما يفكر فيه.
تذمر وتعايش
من الملاحظ لما يدور داخل الغرف الصفية في مدارسنا أن دور الطالب في العملية التربوية والتعليمية محدود للغاية وسلبي، ولا يتجاوز عملية التلقي مع أن غالبية العاملين بالحقل التعليمي والتربوي على قناعة كافية بأهمية تنمية مهارات التفكير لدى الطلاب، ويؤكدون أن مهمة المدرسة ليست عملية حشو عقول الطلبة بالمعلومات، بقدر ما يتطلب الأمر الحث على التفكير، والإبداع، إلا أنهم يتعايشون مع الممارسات السائدة والمتهالكة، ولم يحاول واحد منهم كسر جدار المألوف أو الخروج عنه بينما النشء الجديد يتذمر من الممارسات السائدة.
يشير التربويون إلى أن النظام التربوي القائم لا يوفر خبرات كافية في التفكير وإن مدارسهم نادرا ما تهيئ للطلبة فرصاً كي يقوموا بمهمات تعليمية نابعة من فضولهم أو مبنية على تساؤلات يثيرونها بأنفسهم لان التركيز من قبل المدرسة، وأهداف التعليم، ورسالة العلم على عملية نقل وتوصيل المعلومات بدلاً من التركيز في توليدها أو استعمالها، ويلحظ ذلك في استئثار المعلمين معظم الوقت بالكلام من دون الاهتمام بالأسئلة والمناشط التي تتطلب إمعان النظر والتفكير، أو الاهتمام بإعطاء دور إيجابي للطلبة الذي دائما مايصرح المعلم بأنهم محور العملية التعليمية.
دور التفكير في النجاح الحياتي والدراسي
تقول الباحثة التربوية الأستاذة منى جبران: إن الدور الهامشي للطلاب هو إفراز للمناخ الصفي التقليدي المتمركز حول ممارسات قائمة على الترديد والتكرار والحفظ المجرد من الفهم وأمام هذا الواقع تبرز أهمية تعلم مهارات التفكير وعملياته، التي تبقى صالحة متجددة من حيث فائدتها واستخداماتها في معالجة المعلومات مهما كان نوعها في تجارب الفرد الحياتية سواء شخصية أو تعليمية.
وتضيف إن الانتقال من أنموذج التعليم التقليدي إلى أنموذج التعليم الإبداعي، أو - تعليم التفكير - عملية صعبة ولكنها ممكنة إذا تم تضييق الفجوة بين المفاهيم النظرية والممارسات العملية على مستوى الصف والمدرسة بالدرجة الأولى.
وتشدد على أن المعلم يعد من أهم عوامل نجاح برنامج تعليم التفكير، لأن النتائج المتحققة من تطبيق أي برنامج لتعليم التفكير ومهاراته تتوقف بدرجة كبيرة على نوعية التعليم الذي يمارسه المعلم داخل الغرف الصفية ومجموعة السلوكيات التي يجب على المعلمين التحلي بها من خلال توفير البيئة الصفية المناسبة لإنجاح عملية تعليم التفكر حيث أن التعليم الواضح المباشر لعمليات ومهارات التفكير المتنوعة يساعد على رفع مستوى الكفاءة التفكيرية ويعطي الطالب إحساساً بالسيطرة الواعية على تفكيره وتؤكد جبران على أنه عندما يقترن هذا التعليم مع تحسن مستوى التحصيل سينمو لدى الطلبة شعور بالثقة في النفس في مواجهة المهمات المدرسية والحياتية لذلك على المعلم أن يغير من أنماط التفاعل الصفي التقليدية حتى يقوم الطلاب أنفسهم بتوليد الأفكار بدلا من اقتصار دورهم على الاستماع السلبي بتهيئة فرصا للنقاش وتشجيع التعلم النشط وممارسة الطلاب لعمليات الملاحظة والمقارنة والتصنيف والتفسير وفحص الفرضيات، والبحث عن الافتراضات، والانشغال في حل مشكلات حقيقية مع مراعاة الاستماع للطلاب واحترام التنوع والانفتاح وتثمين أفكار الطلاب وإعطاء تغذية راجعة إيجابية بعيدا عن الانتقادات الجارحة، ما يمكن المعلم من التعرف على أفكارهم عن قرب وليس إشغالهم في البحث عن إجابة صحيحة لكل سؤال فالمعلم الذي يلح على الامتثال والتوافق مع الآخرين في كل شيء يقتل التفكير والأصالة والإبداع لدى الطلبة.
التفكير مهارة تكتسب
ويذكر كثير من الباحثين في مجال التفكير أن مهاراته العليا يمكن أن تتحسن بالتدريب والمراس والتعليم وهي مهارة لا تختلف عن أي مهارة أخرى يمكن تعلمها بخلاف الاعتقاد الشائع إن الكفاءة في التفكير مجرد قدرة طبيعية ترافق النمو الطبيعي للطفل.
ويرى الباحثون وجوب التفريق بين تعليم التفكير، وتعليم مهاراته، فتعليم التفكير يعني تزويد الطلبة بالفرص الملائمة لممارسته، وحفزهم وإثارتهم عليهم أما تعليم مهارات التفكير فينصب بصورة هادفة ومباشرة على تعليم الطلاب كيف ولماذا ينفذون مهارات واستراتيجيات عمليات التفكير الواضحة المعالم، كالتطبيق والتحليل والاستنباط والاستقراء.
الدمج بين مهارات التفكير والمواد الدراسية
وتعود جبران قائلة إنه يمكن تنفيذ برنامج تعليم التفكير وإدماج مهاراته ضمن محتوى المواد الدراسية، وكجزء من خطط الدروس التي يحضرها المعلمون كل حسب موضوع تخصصه وتشير إلى طريقة باير (beyer) لتعليم مهارات التفكير أنه ابرز الاتجاهات النظرية التي يمكن تطبيقها إذ تقوم هذه الطريقة على الدمج بين مهارات التفكير والمواد الدراسية المختلفة وتدريس مهارات التفكير وفق سياق تعليم المواد الدراسية وتتألف هذه الطريقة من عدة خطوات يقدم المعلم مهارة التفكير المقررة ضمن سياق الموضوع الذي يدرّسه تحديد العلاقات بين المهارة موضوع الدرس، والمهارات الأخرى التي تعلموها ويبدأ بذكر وكتابة اسم المهارة كهدف للدرس ويعرّف المهارة بصورة مبسطة وعملية يقوم المعلم بمساعدة الطلبة في تطبيق المهارة خطوة خطوة.
وأشارت إلى أن الهدف والقواعد والأسباب وراء كل خطوة، ويفضل أن يستخدم المعلم مثالاً من الموضوع الذي يدرّسه يقوم الطلبة بحل تمرين تطبيقي آخر بمساعدة وإشراف المعلم للتأكد من إتقانهم للمهارة يجري المعلم نقاشاً عاماً بهدف كشف وجلاء الخبرات الشخصية للطلبة حول كيفية تنفيذهم للمهارة، ومحاولة استخدامها داخل المدرسة وخارجها.
مهارات التفكير مادة دراسية
وترى الباحثة جبران انه ينبغي أن يكون التركيز منصبا لتعليم على تعليم المهارة ذاتها، وليس الانشغال بموضوع الدرس، أو الخلط بين المهارة ومحتوى الدرس وتطالب الباحثة أن يكون تعليم مهارات التفكير وعملياته بصورة مباشرة بإضافة مادة مستقلة تتبنى برامج تعليم التفكير ومهاراته إلى منهج المواد الدراسية في التعليم العام من الصفوف المبكرة يتناول الاتجاهات النظرية والتجريبية التي تناولت موضوع التفكير، والتي من أبرزها برامج العمليات المعرفية الأساسية وبرامج العمليات فوق المعرفية التي تديرها ومن أهم البرامج الممثلة لهذا الاتجاه برنامج "الفلسفة" للأطفال، وبرنامج المهارات فوق المعرفية برامج المعالجة اللغوية والرمزية وبرامج التعلم بالاكتشاف وبرامج تعليم التفكير المنهجي التي تهدف إلى الانتقال بتفكير الطلاب من مرحلة العمليات المادية إلى مرحلة العمليات المجردة التي يبدأ فيها تطور التفكير المنطقي والعلمي، وتركز في الاستكشاف ومهارات التفكير والاستدلال، تنمية مهارات التفكير في الكتابة والتعامل مع المشكلات والتحليل والحجج المنطقية والتعرف إلى العلاقات ضمن محتوى المواد الدراسية التقليدية.