د. محمد عبدالرحمن الشمري
استبشر الكثير بقرار معالي وزير التجارة والصناعة الجريء المتضمن تعليق صادرات الحديد والاسمنت لتلبية متطلبات السوق المحلية لهذه السلع، وللمساهمة في التسريع بإنجاز المشروعات التنموية التي رصدت لها مبالغ ضخمه لكي يساهم ذلك في التعجيل بإنجازها قبل أن تتآكل تلك الأرصدة بفعل التضخم، وللتسهيل أيضاً على المواطنين ببناء المساكن الخاصة.
ونتمنى أن تستلهم الشركات الوطنية البعد الوطني لهذا القرار، وتتفاعل معه بإيجابية طالما السوق المحلية تستوعب كل منتجاتها.
ونستغرب تنادي البعض أن تلك الإجراءات تتعارض مع قوانين منظمة التجارة العالمية 0فالمعروف أن قوانين التجارة الدولية ركزت منذ اتفاقية (الجات 1947) وبعدها منظمة التجارة العالمية، على إرساء أركان النظام التجاري المتعدد الأطراف المتمثلة في المبادئ الثلاثة الشهيرة ( المعاملة الوطنية للواردات والمنتجات الأجنبية)، و(مبدأ الدولة الأولى بالرعاية)، ومبدأ( الشفافية) 0واهتمت بتحرير التجارة، وإزالة العوائق والقيود أمام الواردات الكمية والتشريعية . وكانت هذه المبادئ هي نبراس المشرعين الدوليين طيلة جولات المفاوضات التجارية على مدى سبعة عقود حتى توجت بظهور اتفاقية منظمة التجارة العالمية التي وسعت نطاق التجارة الدولية لتشمل الخدمات والملكية الفكرية.
وبالتعمق في النظام التجاري الدولي، وتفاصيله، يظهر بجلاء أن تصرف أي دولة بتعليق صادراتها من سلع معينة لتلبية متطلبات ضرورية وملحة لخدمة اقتصادها المحلي، وليس من باب الممارسات الاحتكارية، هي من الممارسات المشروعة ولا مأخذ عليها في ذلك 0فاتفاقيات القواعد الواردة بالملحق ( 1- أ) من اتفاقية إنشاء منظمة التجارة العالمية، مثل، اتفاقية (العوائق الفنية أمام التجارة)، واتفاقية (مكافحة الإغراق)، واتفاقية (التدابير التعويضية)، واتفاقية ( الوقاية) جميعها تتعلق بالمسائل ذات الصلة بالواردات وضمان عدم اتخاذ الدول تدابير انفرادية تحد من تدفقها من خلال القواعد الدولية المنصوص عليها في تلك الاتفاقيات.
وعليه يمكن القول أن مناداة البعض برفع القيود عن تصدير بعض السلع التي لا تغطي الاحتياج المحلي مثل الحديد والاسمنت في الوقت الحاضر، على أساس أنها تخالف قوانين التجارة الدولية، لا تجد سندا من صحيح القانون، بل هي محاولات للركض وراء تعظيم الأرباح ولو كان ذلك على حساب تأزم السوق المحلية.
ومن المفارقات، أن المشرعين الدوليين لم يدر بخلدهم أن الدول ستلجأ إلى وقف أو تعليق صادراتها من بعض السلع لعدم قدرتها على استيعاب الطلب الداخلي، مثلما لم نتوقع نحن أن تعود الطفرة في أسعار البترول مرة أخرى إلى مستويات قياسية، لكن ذلك حدث، وعادت معه نهضة الاقتصاد السعودي من جديد في رحلة بناء خلاقة، لتشمل إعمار المكان، وتهيئة الظروف لإعادة بناء عقل الإنسان. والظروف مهيأة لبلوغ الأهداف، وتحقيق التطلعات، إن أوكلت المهام لكفاءات بشرية تعمل من منطلقات وطنية، ولا يوجد في قاموسها مصطلح الأزمات، أو الارتهان لحجج العثرات، في ظل قيادة وفرت كل شيء، وتمنت تجنب اختلاق الاعذار.