جريدة الرياض اليومية

الخميس 29 جمادى الآخر 1429هـ -3 يوليو2008م - العدد 14619
[ الأولـــى | متابعات | شؤون دولية | محليات | لقاء | مقالات اليوم | طــب | ثقافة اليوم | الرأي | الرياض الاقتصادي | تقنية المعلومات | دنيا الرياضة | الكاريكاتير | محطات متحركة | تحقيقات وتقارير | الصحفي الإلكتروني | الأخــيــرة | ]
ضوء صحفي
انزلوهم من الطابق الثاني

ممدوح المهيني

حادثة القبض على ال 700إرهابي الأخيرة كشفت، وكما بات يعرف الجميع، وردده عشرات الكتاب، عدم نجاح المعالجة الفكرية لقضايا التطرف والإرهاب. ويبدو واضحاً منذ البداية ان الخطة لمحاربة الإرهاب والتطرف فكرياً مازالت مشوشة في رؤيتها ومرتبكة في خطواتها وتتحرك بدون أهداف.

من أهم هذه الأخطاء والتي تكشف الطريقة غير الملائمة التي تنتهجها للتعامل مع قضية التطرف والإرهاب هي عزلها الأطفال والمراهقين عن دائرة حربها الفكرية. التعامل الفكري مع الإرهاب والتطرف كان ومنذ البداية وكأنه شأن للكبار ولا دخل للصغار والمراهقين به على الرغم من أن المنطق البيولوجي والعقلي يعاكس ذلك.

الكبار في الغالب غير مستعدين لتغيير أفكارهم مهما بدت رديئة لأن الأفكار تتحول إلى جزء من تكوينهم النفسي وتصبح مسألة كرامة شخصية، لذا لن يقبلوا تغييرها خصوصاً عندما يتعرضون للضغط الذي سيقاومونه بشدة.

من الواضح أن مواجهة التطرف والإرهاب هي مواجهة طويلة، ولكن الكبار مهما بدا نشاطهم وقوتهم هم في الحقيقة جيش يتوجه للفناء بسبب العمر. ومثل هذا الجيش يمكن محاصرته بالاجراءات الأمنية الصارمة حتى يضعف ويزول من تلقاء نفسه. تخصيص الجهد الفكري للكبار فقط هي مسألة ليست عملية بما يكفي، وتبحث عن أهداف ناجحة وسريعة حتى لو بدت غير حقيقية.

الشيء المهم فعلاً هو عزل هؤلاء الكبار وليس الصغار لكي لا تتسلل أفكارهم إلى المراهقين والأطفال، وحتى لا يكونوا جيشاً آخر مكملاً للجيش الأول، ولا أحد في الحقيقة يريد فعلاً أن تستمر المعارك الإرهابية لعشرات السنين القادمة. ولكن للأسف فإن أي محاولات جادة لحماية الأطفال والمراهقين من أن يتبنوا الأفكار التي قد تدفعهم للتطرف والإرهاب هي ليست فاشلة وإنما غير موجودة، الصغار رغم مرور العديد من الأحداث الإرهابية أمامهم إلا أنهم منفصلون تماماً وكأنهم يشاهدون فيلم "أكشن" بالفعل أنهم يشعرون بأن هؤلاء الأشخاص الذين يقومون بالقتل والتفجير هم أشرار ولكن هذا الشعور عاطفي جداً ولا يستند إلى أي مواقف عقلية صلبة، وهو شبيه جداً بكراهيتهم للأشرار في الأفلام خصوصاً عندما يندمجون فيها. ولكن عندما ينتهي الفيلم فإنهم يتصارعون على من يلعب دور الرجل الشرير الذي يقتل بدم بارد.

من الصعب ملاحظة أي خطاب مركز وعميق تم تقديمه للأطفال في المدارس والحياة العامة يحاول أن يبعدهم عن أي أفكار يمكن ان تجعلهم متطرفين وعنيفين. لم تكن هناك أي خطة لدمجهم في القضية الإرهابية التي تشغل الكبار بل تم إبعادهم إلى الطابق الثاني حتى يتم تنظيف الدور الأول بدون أن يعرفوا من ارتكب الخطأ حتى لا يقلدونه مرة أخرى. الآن أسمع حوارات غالبية الأطفال لن تجدها تحمل أي مفردات توضح انهم محصنون عن ألا يكون متطرفين في يوم من الأيام. المراهقون لا يظهرون أي أفكار عن التسامح ولا المساواة واحترام خيارات الآخرين. المثير للسخرية هي أنهم نسوا كل الكلمات التي قيلت على ان الإرهاب أمر سيئ ولا يفعله إلا الأشرار لأن الطريقة التي قيلت لهم مثل هذه الجمل كانت مصممة لكي ينسوا كل ما سمعوه.

الصغار والمراهقون مهما بدوا مشغولين في أمور أخرى إلا أنهم مرتبكون أمام قضية الإرهاب ولا يعرفون معنى واضحاً للتطرف ولا يفهمون الطريقة المناسبة التي يجب أن يسلكوها لتجعلهم مواطنين صالحين ومحصنين من كل الضغط الفكري الذي يدفعهم لكي لا يلوثوا عقولهم. المنطق البيولوجي والعقلي يقول مرة أخرى أن علينا أن نهتم أكثر بهؤلاء الصغار فهم سيحددون ملامح المستقبل، وهم مستعدون الآن لتغيير قناعاتهم ولكنهم لن يكونوا كذلك بعد مرور القليل من السنوات. انهم الآن في مواجهة التطرف وسيكون خطأ كارثياً لو تركوا لوحدهم كما ترك الذين من قبلهم ونعرف الآن أن النتيجة كانت مأساوية. لا يمكن مواجهة التطرف بإغراقهم في الجمل الإنشائية المباشرة التي ستصيبهم بالضجر وسيتخلون عنها بسهولة، ومثل هذه الطريقةلا تقدم أي فائدة لأنها في الحقيقة لا تتحرك نحو القناعات اللينة وتحاول أن تزحزحها من مكانها ولكنها فقط تطلق العبارات الفارغة التي لا تفعل أي شيء إلا أن تترك القناعات القديمة تتصلب. من المؤكد أن التغيير بحاجة إلى الوقت ولكنه أيضاً بحاجة إلى التركيز والرؤية الواضحة والدخول بشكل جاد وحقيقي في حرب الأفكار.

الثقافة التي يتبناها صغارنا هي ثقافة هشة جداً وواهية وغير حيوية وخالية من أي قيم إنسانية عميقة يمكن أن تحميهم من أفكار التطرف المسمومة، بل انها التمهيد الثقافي التي يحلم بها الإرهابيون لكي يجذبوا الصغار صوبهم بدون أي مقاومة.

مشاهدة النسخة كاملة
عرض التعليقات

| أعداد سابقة | اتصل بنا |
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية