• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 366 أيام

مبررات الحوار بين الأديان والمذاهب (2- 2)

محمد بن علي المحمود

    وبما أن الهدف في سياق حوار الأديان والمذاهب - كما يصرح بذلك الداعون للحوار -: ليس تذويب الفروقات الدينية والمذهبية، وإنما العمل على تأسيس رؤية حضارية، بحيث تبلور سلوكا مدنيا للتعامل معها، فإن هذه الرؤية لا تتأتى لنا؛ جاهزة من إحدى نقاط البيع السريع التي أدمنا عليها. إنها رؤية تستزرع في الثقافة، ومن ثم، في عمق الوعي، من خلال نقد التعصب الذاتي، ومن خلال الانفتاح الثقافي على الآخرين، ومن خلال التفاعل الجدلي مع تراث التسامح الليبرالي في التاريخ الغربي الحديث.

3- الاختلاف والتنوع واقع أزلي. لكن ما الجديد في هذا ؟. الجديد يكمن في أن الاختلاف والتنوع كان بإمكانه أن يبقى بعيداً عن التماس المباشر. في القديم، كان بإمكان أية أمة بدائية، أو متعصبة، منغلقة على مقولاتها العنصرية، ذات البعد الديني أو العرقي، أن تبقى في حالة: عزلة شبه كاملة عن الآخر المختلف. هناك أمم لم تعرف لها علاقات تستحق الذكر، قبل أن تصلها الحضارة المعاصرة عبر رحلات الاستكشاف الغربية. وقد قضت عشرات القرون، دون أن يفرض عليها أحد - قبل الحضارة المعاصرة - أن تضع انغلاقها في مواجهة العالم.

الآن، يستحيل تحقيق هذه العزلة؛ حتى لمن أرادها وهام بها، من البدائيين والعنصريين. لم يعد الاختلاف والتنوع أمراً خاصاً، بحيث تتخذ فيه القرارات من داخله. وإنما أصبح اليوم أمراً عالمياً، يتداخل - قسرا؛ بحكم روح العصر - مع الآخرين، لاسيما مقدمة العالم المعاصر: العالم الغربي. التنوع والاختلاف الذي هو حق كل أحد، وكل شعب، وكل دين، لم يعد حقا مطلقا، فهو لا يمكنه أن يتجنب الاصطدام بالآخرين. وكلما ازدادت درجة التعصب والتعنصر والانغلاق، كانت فرصة الصدام أكبر وأخطر.

إذن، ما يُعدّ - أو يُظن أنه - خصوصيات، من كل أحد يحتفظ بها كما هي، وكما توارثها من أجيال وأجيال، لم يعد يمكن الاحتفاظ بها على حالتها التي هي عليه؛ إلا في حال كونها لا تمس الآخرين بضرر من أي نوع. وهنا، تصبح الخصوصيات مشروطة بالاتساق مع روح العصر. وهذا الاتساق لا يتم إلا بالخضوع للحد الأدني من الشرط الإنساني، الذي هو اليوم السقف المعنوي لكل حديث عن حقوق الأفراد والجماعات والدول. فمن لا تحقق خصوصيته الحد الأدنى من الشرط الإنساني، سيجد نفسه - عاجلا أو آجلا - مضطرا للتنازل، تحت ضغط قوة الحياة المعاصرة، الحياة التي لا حياة بدونها.

وحتى لا يكون التنازل الاضطراري عن أوهام الخصوصية - أو حقائقها ! - مهينا، وحتى يتم تجنيب الشعور القومي، المرتبط بوهم الخصوصية، جرح الكرامة التي تُضارّ جراء التضحية بالخصوصيات، يأتي الحوار الذي يؤكد المشتركات الإنسانية؛ ليجعل منها عموميات قِيَمِيّة وقانونية، تلاحق ما يعارضها من خصوصيات بالتآكل والعزل؛ حتى يتم تحييدها تماما، دون أن يؤدي ذلك إلى صدام مباشر مع المشاعر، أو حتى مع مؤسسات التقليد.

4- ومن أهم مبررات الحوار الديني والمذهبي، عودة الأصوليات، كحركات جماهيرية واسعة وفاعلة في السياقين: الاجتماعي والسياسي. فالأصولية؛ كحالة استهيام أعمى بظواهر الأصول التراثية، ومحاولة مطابقتها على الواقع، أصبحت ظاهرة تتفجر في كثير من الأديان والمذاهب المعاصرة. الأصولية تعني حضور الفكرة والمعنى، في سياق يستحيل حضورهما فيه؛ بدون قسر السياق بمكوناته إلى درجة التفجير. وأهم مكونات هذا السياق، هو الإنسان، الذي سيكون ضحية المقولات العنصرية والإلغائية الموجودة في بنية هذه الأصوليات بالضرورة. ومن هنا يأتي التصدي لهذه الأصوليات، كممارسة تتغيا إنقاذ الإنسان.

لا توجد أصوليات متسامحة؛ على الأقل، في المشهد الواقعي الذي يعكس مقولات الأصلية وحراكها. وجميع الأصوليات مشحونة بطاقة هائلة من الكراهية المعلنة، أو المضمرة، التي يتم فيها - لحسابات ميدانية - تأجل الإعلان عنها. وكل انبعاث أصولي، فإنما يأتي نتيجة جهل بالتاريخ وبالواقع من جهة، وبالعلاقة بينهما من جهة أخرى. وهذا يؤدي إلى استحضار أعمى للتاريخ في الواقع. والواقع أعتى من أن يتقبل ما هو خارج شروطه. والأصولي - بدغمائيته - يصر بكل عنف على هذا الاستحضار القسري. وهنا، يحدث الصراع الحتمي بين الفكرة الأصولية والواقع، على هيئة سلوكيات إرهابية: قولية وعملية، تحضر وتغيب؛ تبعا لعوامل أخرى، إذ هي كعامل إيديولوجي حاضرة في كل آن.

على هذا، فلا بد أن يأتي الحوار قويا وشاملا، بحجم شمولية وعنف هذه الأصوليات المتطرفة، التي تغذيها ذهنيّات الانغلاق. والحوار لن يلغي هذه الأصوليات من جذورها، ولن يقنع الكثير من كوادرها العاملين، ومريديها المتعاطفين، بزيفها وتخلفها. لكنه، سيحاصرها كجماعات ومقولات، بحيث تكون - نتيجة هيمة الوعي بالإنسان من خلال الحوار - محاصرة داخل وعي عام ينبذها، ويدين ممارساتها وأقوالها. الحوار لن يجهضها، ولكنه سيجهض محاولاتها لالتهام مساحات التسامح الإنساني. ستبقى كحركات عنف مدانة، أي أنه بقاء في حدود الهامشي أو شبه الهامشي، ولن تستطيع التأثير على التيار الاجتماعي العام.

وبما أن الأصولية حالة تعنصر ذاتي، بدأت تظهر في كل الأديان والمذاهب الكبرى، فإن الحوار بين هذه الأديان والمذاهب، سيقود إلى وعي بالأصولية كحالة مرضية مرافقة للحراك الديني والمذهبي، حالة مرض لا بد منها في كل جسد حي، لكن، لا بد أن يبقى الوعي بها كحالة: مرض، ومؤشر اعتلال. وهذا الوعي لا يتأتى ذاتيا، أي من داخل الجماعة الثقافية الواحدة، وإنما يتم الوعي به من خلال تجاور المقولات، بل وتضادها. وحينئذٍ، تكتشف كل جماعة - من خلال الآخر المقابل - أنها تمارس ما يمارسه الآخرون، وأن متطرفي الآخر، كما أنهم خطر عليها، فكذلك متطرفوها - أيضا - خطر على الآخرين، ومن ثم، على الذات. فيتضح - من خلال هذا الوعي المتبادل بالنفي المتبادل - أن التطرف والتعصب لدى الجميع خطر على الجميع.

5- يتبع الفقرة السابقة، ويتقاطع معها، أن المتطرف لا يعي نفسه، أي لا يعي تطرفه، إلا من خلال الآخرين. فكثير من المتطرفين - فكريا وسلوكيا - يتصورون أنفسهم معتدلين وسطيين !. طبعا، المتطرفون - جميعهم - يقولون بأن المعيار هو الأصول الثابتة، وليس التوسط والاعتدال بين طرفي الواقع، باعتبار أن الأصل حاكم على الواقع، وليس العكس. وهذا يقوله - حتما - كل متطرف، بل وكل مفرط ومتحلل من إلزامات الأصل. المهم، أن كل متطرف يدعي - وربما يتصور صادقا - أنه متطابق مع الأصل. وهذا ناتج عن كون التأويل المتطرف له نوع من العلاقة بالأصل، أي أنه تأويل للأصل؛ على وجه من الوجوه. ومن هنا، يتصور نفسه - بتأويله الخاص والوحيد - أنه الوحيد المتطابق مع الأصل.

عندما ينغلق المتعصب على مقولاته الخاصة، التي هي مجرد تأويلات خاصة - وخاصة جدا - فإنه يعتقد أنه الوحيد الذي عثر على الحقيقة الخالدة، وأن على الآخرين أن يتبعوه طوعا أو كرها. طبيعي أن يعمى عن تطرفه؛ لأنه لا يعرف إلا هذا المدى التأويلي للأصل. فهو يرى أن تطرفه ليس إلا استسلاما لمقتضيات الأصل الضرورية، وأن سلوكه التأويلي والعملي، قمة الصواب في التطابق مع الأصل. ومثل هذا، يستحيل عليه أن يراجع قناعاته؛ لأنها لم تعد مجرد قناعات، وإنما إيمانيات، مجرد التشكك فيها يقذف به خارج دائرة الإيمان.

أذكر أن أحد المتطرفين من المتعاطفين - جدا - مع الإرهاب، ومن الهائمين في زعيم الإرهاب العالمي: (ابن لادن )، تعجّب من تلميحي له بأنه من المتطرفين، ومن قعدة الخوارج بالذات، وقال - ما معناه -: الجهاد شريعة الله، والتمسك - تمسكا بالصورة المثلى كما يتصورها - ليس إلا تمسكا بسنة الرسول. وبدا، كأنه يحاول أن يؤكد لي ولنفسه أن كل تصوراته ليست إلا التصورات الأصلية الطبيعية للشريعة، وأن بقية الأمة هي التي في انحراف، وأن شيوع الانحراف جعل قناعاته محل استغراب ورفض الناس، وأنني لانحرافي أراه متطرفا !. أذكر أنني قلت له: إذا كنت أنت، وابن لادن، وأمثالكم، ممن لكم تصورات خاصة عن الجهاد، وعن الأنظمة والقوانين، وعن الإعلام، وعن الثقافة، وعن المرأة ولباسها وحراكها الاجتماعي، معتدلون وسطيون، فمنهم المتطرفون، وأين الطرف الآخر لوسطيتكم المدّعاة؟!. قل لي: إذا كنت ترى نفسك معتدلا وسطيا، ماذا ترى المتشدد يمكن أن يفعل أكثر مما أنت عليه تصورا وسلوكا ؟، خذ مثلا: تصورك للباس المرأة، وما يجب أن يكون عليه، ماذا يستطيع المتشدد - إذا لم تكن أنت متشددا - أن يضيف عليه، حتى يكون تصورك معتدلا وسطيا ؟. لقد قلت له: لو أنك وسطي معتدل، ولو أنني أردت أن أكون متشددا متطرفا، ماذا يمكن أن أزيد عليك في هذا الموضوع (حدود الاحتشام في لباس المرأة) حتى أتجاوز (وسطيتك !) إلى التطرف؟! ، بل أعطني مثالا - من أي مكان في العالم - لمن هم أكثر منك تشددا وتطرفا؛ حتى أستطيع أن أقتنع بوسطيتك ؟.

واضح أنه لن يجد أشد منه تشددا وتطرفا. أسوأ صورة، يمكن أن يتم تخيلها للمرأة، هي الصورة التي في ذهنه، ويطمح إلى تحقيقها في الواقع، بل للأسف، هو وأمثاله، خدعوا الكثيرات بمقولاتهم؛ فأصبحت ترى صورا من التشدد في الزّي والسلوك، لا يوجد في العالم ما هو أشد منهما ؟، فأين هي الوسطية ؟، وسطية بين ماذا وماذا ؟.

دون الخوض في حوار ديني ومذهبي وحضاري جاد، ومن ثم، مقارنات واسعة، تفتح آفاق التأويل لمكونات الذات، فإنه لا يمكن أن يكتشف الوعي العام زيف ادعاءات المتطرف أنه معتدل وسطي. سيبقى المتطرف متدثرا بهذا الادعاء؛ لأنه لن يجد أحدا يسأله بكل وضوح: إذا لم تكن أنت متطرفا، فأين هم المتطرفون، وإذا لم يكن سلوكك متشددا، فأين هو التشدد ؟، ما الذي ينقصك من صفات التشدد والتطرف؛ حتى تستحق صفة: متشدد، أو متطرف ؟. دون الخوض في مثل هذا الحوار، كيف تكتشف المرأة المتماهية مع خطاب التشدد، أنها تجاوزت الاعتدال في اللباس والسلوك إلى التطرف ؟، بدون هذا الحوار والمقارنة، لا يمكن أن تسأل هذه المرأة نفسها: ماذا بقي من مراحل التزمت - الممكنة واقعيا - لم تحققها؛ حتى تخطو خطوة أخرى؛ فتضيفها إلى رصيد الاحتشام ؟. ما هي الإضافة الاحتشامية، التي يمكن أن تضيفها زيادة على حالها؛ حتى تصنف نفسها كمتشددة، جاوزت الخط الوسطي؟! . هل توجد حالة أشد مما هي عليه، حتى تضع نفسها بينها وبين الانحلال؛ فتكون وسطا؟!.

لا شك أن مثل هذا الحوار المقارن، سيقود إلى مراجعات شاملة للذات، ولتراث الذات. ستنظر الذات إلى ذاتها، لا بعيونها فحسب - كما كانت تفعل - وإنما بعيون الآخرين. سترى الأنا نفسها من خلال زوايا أكثر، ومن على بعد مسافات متباينة. إن مثل هذا الحوار الذي يتعرّف فيه الكل على الكل، يقود - بالضرورة - إلى المقارنة الواعية واللاواعية. والمقارنة فعل إيجابي، تضع كل تاريخ الأنا الخاص، في سياق التاريخ العام. وبهذا يقرأ التاريخ الخاص - بكل ما فيه من أفكار وشخصيات ووقائع - كجزء من كل، كحالة من جملة حالات. إنها قراءة مقارنة/ مراجعة، تقوم بتشذيب وتهذيب الخصوصيات الناتئة، تقوم بتبديد الأوهام.

6- سقوط الحواجز النفسية، التي تفصل بين الجماعات البشرية، على خلفية خلافاتها الدينية والمذهبية والفكرية. إن هناك ما هو أكبر من مجرد الخلاف الديني والمذهبي، المنصوص عليه في المراجع العقائدية لكل فريق؛ لأن هذا وإن كان شرارة البداية للتنافر، فإن الشحن الجماهيري الواسع على أساس هذا الخلاف، وامتداده على مدى تاريخي طويل، أورث تنافرا نفسيا، يفوق التنافر الفكري والعقائدي بمراحل. وقد تسبب هذا التنافر النفسي في كثير من حالات العنف المرئية واللامرئية، في كوارث ومآسي إنسانية، تقوم بها جماهير متوترة في علاقتها مع الآخر إلى درجة الالتهاب بالعداء؛ مع أنها - في الغالب - لا تعرف حقيقة الخلاف الديني أو المذهبي، ولا تدرك مستوياته، بل ولا أحكامه الخاصة بكل فريق.

وجود الخلاف والتباين على أساس الدين أو المذهب، أمر يهون، قياسا بما يتبعه من تأسيس رؤية مقيتة للتنافر النفسي، الموجب للكراهية والعداء. الخلاف والتباين أمر طبيعي. لكن، ما ليس طبيعيا، ولا مقبولا، أن تنشأ حواجز نفسية بين المختلفين، وتتضخم؛ حتى لا يطيق فريق رؤية الفريق الآخر في مجاله العام؛ فضلا عن أن يرضى له بما يرضاه لنفسه من الحقوق، أو يقيم معه علاقات إنسانية، لا تخضع إلا لفطرة الإنسان.

إنني أكاد أجزم أن هذه الحواجز النفسية، التي تجعل الكل في حالة عداء مع الكل، هي حجر الزاوية في حالة التنافر والاحتراب الديني والمذهبي، بل والعشائري. هذه الحواجز، في حال سقوطها (وسقوطها لن يكون قبل حوار مع الخلاف أصلا) تكون جميع أهداف الحوار الأخرى، قابلة للتحقق تباعا. ولو أننا نظرنا إلى أصل الخلافات، لوجدناها خلافات يمكن أن يحتفظ بها كل فريق في حدودها؛ كما هو الحال في المجتمعات الغربية المتحضرة، التي تجاوزت بدائية المشاعر والانفعالات.

لكن، مما يجب التنبه له في هذا السياق، أن الحوار الفكري بين النخب لا يكفي لإسقاط هذه الحواجز؛ حتى وإن كانت شرطا أوليا. بل لا بد من أن يرافق هذا الحوار تعايش واقعي، وامتزاج اجتماعي، واشتراك مباشر في تفاصيل الوقائع اليومية. فهذه الخطوة هي القادرة على تبديد (أوهام) العداء، بل والقادرة على تبديد (حقائق) العداء أيضا؛ إن وجدت.

إن مأساتنا مع التطرف لا حدود لها. فهذه الحواجز النفسية التي يتغيا الحوار تذويبها، والتي يعي الجميع - غير المؤدلجين طبعا - أنها مشكلة حياة تحاصر الجميع، هي ما يعده المتطرفون من أولويات العقائد لديهم. إنهم - كمتطرفين - يرون أن منطق الإيمان - بفهمهم - يستلزم بالضرورة بناء هذه الحواجز النفسية، بل وتنميتها، وليس فقط الموافقة على بقائها. إنها إن لم توجد، فإنهم يتبرعون بإيجادها من العدم. إن سدنة خطاب الكراهية، يحرصون على الاحتفاظ بهذه الحواجز حيّة، بل وتنميتها؛ لأنهم بدونها، لن يجدوا ما يقتاتون عليه، ليس الاقتيات المعنوي فحسب، وإنما حتى في معاشهم المادي، فلا مهارة ولا مهنة ولا وظيفة لديهم، إلا القيام على ترويج الكراهية؛ بوصفها - كما يدّعون - قربة إلى الله.

7- تبقى الانتهاكات التي تطال حقوق الإنسان، في أي مكان في العالم، من أهم مبررات الحوار بين الأديان. فالأديان والمذاهب مسؤولة عن الحفاظ على حقوق الإنسان، لثلاثة أسباب رئيسة :

الأول: جميع الأديان والمذاهب تزعم لنفسها رسالة إنسانية. ومن ثم، فهي - بهذا الزعم - تكلف نفسها بهذه المهمة قبل أن يكلفها بها الآخرون. وبما أن الزعم يصدقه الواقع أو يكذبه، فإن على الجميع أن يسهم في هذا المضمار، بدرجة يثبت بها للآخرين، أنه إنساني، أي أن يحقق دعواه واقعيا. وكلامي هذا، ليس موجها للأديان في نسخها المتعالية، وإنما المقصود بالأديان هنا: أتباع الأديان، الذي يناط بهم تنزيل المجرد في المتعين الواقعي.

الثاني: كون معظم الانتهاكات لحقوق الإنسان، تتم بدعاوى دينية أو مذهبية، خاصة في الانتهاكات المنظمة وشبه المنظمة، يجعل الأديان والمذاهب - وإن كانت بريئة في أساسها - تتحمل تبعة توظيفها من قبل بعض معتنقيها. فبما أنها استخدمت أداة لشرعنة العداء، الذي يقود - بالضرورة - إلى انتهاكات لحقوق الإنسان، فيجب أن تستخدم أداة لتجريم العداء، ولنزع الشرعية عن مروجي العداء.

الثالث: المبادئ الإنسانية العامة للأديان والمذاهب ذات طباع ثبوتي. بينما مبادئ السياسية متغيرة، ومتحولة على ضوء تحولات الواقع. وعلى هذا لا يمكن الاتكال على السياسات الدولية في حفظ حقوق الإنسان؛ لأن مبادئ السياسة لكل دولة تكمن في مصالحها، ومن ثم، فرؤيتها لحقوق الإنسان ليست رؤية إنسانية خالصة، وإنما رؤية موجّهة بفرضيات الواقع السياسي. بينما الأديان والمذاهب، يفترض فيها تجاوز المصالح المباشرة، لصالح المبادئ الثابتة. وطبيعي أن السياسة هي أدوات التنفيذ لكل رؤية، والأديان والمذاهب لا تمتلك - بقدراتها الذاتية - قوة التنفيذ. لكن، قوة الحضور الديني والمذهبي، وزخمه الإنساني - إذا تحقق - يستطيع - عبر منافذ التأثير - أن يوجه المجتمع الدولي، بهيئاته السياسية، لجعل حقوق الإنسان هدفا أسمى، بحيث يضطر الجميع إلى الالتزام به كخط عام.



عدد التعليقات : 11
  • 1

    ماشاء الله تبارك الله، ثقافتك عالية جداً
    لكن انا كقارئ بسيط أطلب منك الكتابة بأسلوب أوضح حتى أفهم ماتقوله
    لأني قرأت المقال ولم اخرج بفائدة ؟
    فأتمنى منك التبسيط.

    محمد (زائر)

    09:04 صباحاً 2008/07/03

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 2

    لقد كانت على مر العصور والأزمنة دعوات كثيرة للحوار وفهم الاخر وتقبل الرأي المخالف والتعايش والعيش المشترك والحفاظ على حقوق الإنسان ومواكبة التطور ووو...ولكن قبل وبعد ذلك وما تزال ترتكب أبشع المجازر وتنتهك أبسط الحقوق وما يزال القوي يفرض سلطانه على الضعيف وكل الملل والنحل تتحاور ساعة لتتقاتل سنوات فعذرا حضرة الكاتب العالم كله يعرف المسيحية بمذاهبها المختلفة ويعرف الإسلام بمبادئه ومذاهبه كذلك وهذه الدعوات لم تثمر يوما منذ بدأها الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا رحمهم الله وحتى يومنا.وشكرا لك

    محمد الأيوبي (زائر)

    10:02 صباحاً 2008/07/03

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 3

    مقال طويل يتعلق بموضوع شرعي ومهم جدا
    للأسف ليس فيه ذكر لآية من كتاب الله ولا حديث عن رسول الله
    وإنما هو مدجن بسلسلة من العبارات التي تصف المخالف وإن كان من العلماء بالتطرف والجهل
    لك الله يا زمن !

    د.إبراهيم (زائر)

    12:50 مساءً 2008/07/03

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 4

    ألا تعتقد أستاذ محمد أن الحوار بين الأديان يجب أن يكون على المستوى الاجتماعي وليس على المستوى السياسي...
    فليس هناك مشكلة بين الأديان سياسياً , وإنما المشكلة رفضه من قبل العامة !
    وشكراً

    علي محمد (زائر)

    01:45 مساءً 2008/07/03

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 5

    مقال طويل يتعلق بموضوع شرعي ومهم جدا
    للأسف ليس فيه ذكر لآية من كتاب الله ولا حديث عن رسول الله
    وإنما هو مدجن بسلسلة من العبارات التي تصف المخالف وإن كان من العلماء بالتطرف والجهل
    لك الله يا زمن !
    كلام رائع

    حمودي أديداس (زائر)

    02:18 مساءً 2008/07/03

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 6

    أشكر الكاتب الكريم على هذه النظرة و التعمق الجاد و إن كان لا يخلو من أخطاء
    و أحب أن أذكر بعض التساؤلات و بعض النقاط :
    ألا يرى الكاتب فروقا داخل الأصوليات الإسلامية ذاتها ؟
    ألم يكن من الموضوعية في الطرح أن تذكر نماذج من التطرف عند الآخر ؟
    لقد فهمت من هذا المقال التنظير لأهمية الحوار للإنسان وللحضارة المعاصرة
    وكنت أنتظر من الكاتب في هذا السياق أمرين:
    - أن يذكر فوائد الحوار
    - أن يستذكر نماذج للحوار من تاريخنا الإسلامي
    ختاما إن لباس المرأة متعلق بالحشمة وبالتشريع الإسلامي...

    سبيع (زائر)

    03:50 مساءً 2008/07/03

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 7

    بالفعل ان الحوار مع آلاخر يذيب جليد التطرف ويعمق مفاهيم حقوق الانسان. والاحداث السياسية الجارية في عصرنا الحاضر لاتقاس ابدا بما كان يفعله الانبياء والتابعين في العصور الماضية مع الفرقاء والذين يختلفون معهم في الدين.
    فالخلاف بين الناس في الدين والمذهب امر اقره الله سبحانه وتعالي منذ أن خلق البشرية وسيظل الى ان تقوم الساعة وهناك ادلة كثيرة في الكتاب الكريم تدعو الى معاملة الناس بالرفق والحسنى والابتعاد عن الكراهية والبغضاء.

    حسن رجب آل مشرف اليامي (زائر)

    05:57 مساءً 2008/07/03

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 8

    أنا كمسلم عندما أحاور من يختلف معي في اعتقادي (مشرك،أهل الكتاب،فرقة ممن ينتسب الى الاسلام) فالقصد هو هدايته وارشاده الى الحق الذي معي،وليس خضوعا لباطله وبحث عن حق ليس موجود اصلا لديه.وحوار الاديان والتقارب المرجو لايمكن ان يحدث الابتنازلي عن حق اوقبول باطل.ومن الذي يمكن ان يتنازل او يقبل ؟
    ويكفي قول الرسول صلى الله عليه وسلم :( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن اترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهر أو أهلك دونه.)

    محمد العمرو (زائر)

    07:49 مساءً 2008/07/03

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 9

    مشكلة الكثير إنه يتكلم دائماً بلسان الغير !
    المرأة متميزة بتشددها إن كان فعلا تشدد

    هاجر (زائر)

    08:26 مساءً 2008/07/03

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 10

    عن أم سلمة رضي الله عنها، قالت :
    لما نزلت آية : { يدنين عليهن من جلابيبهن }
    خرج نساء الأنصار
    كأن على رؤوسهن
    الغربان
    من الأكسية.
    يا رعاكم الله !
    بماذا تصف وتصنف فعلهن رضي الله عنهن ؟!
    اللهم ارزقنا اتباع الحق واجتناب الباطل.

    حُب الخير للغير (زائر)

    11:05 مساءً 2008/07/03

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 11

    استاذ محمد
    كلامك قوي
    الله يقويك اكثر
    وتثلج صدورنا كل خميس
    استمر

    reem A (زائر)

    02:06 صباحاً 2008/07/04

    ابلغ عن هذه المشاركة




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

إعلانات





المقـــال

محمد علي المحمود