الخميس 29 جمادى الآخر 1429هـ -3 يوليو2008م - العدد 14619

القدس العمود الفقري الفلسطيني

د. فوزي الأسمر

    أقرت الكنيست الإسرائيلي يوم 2008/6/4ملحقا لقانون أساسي متعلق بمدينة القدس، يقر على أن القدس هي عاصمة الشعب اليهودي. وقد تقدم بهذا الاقتراح رئيس الحزب القومي الديني (همفدال) عضو الكنيست زبلون اورليف والذي قال مبرراً عمله هذا: "أن تكون القدس عاصمة لمواطنين غرباء شيء يثير التعجب" (هآرتس 2008/6/6). وأضاف أورلوف: "هناك القدس للمواطنين وهناك القدس العليا ونحن نريد أن يعتبرها كل يهودي بيته". وقد صوتت الكنيست بأغلبية 58مقابل 12عضواً صوتوا ضد هذا المشروع.

ويتساءل الإنسان كيف يمكن أن يكون لشعب عاصمة؟ فالشعب الواحد الذي ينتمي لدولة له عاصمة . ولهذا فإنه يجب التعامل مع هذا التحرك على أن هناك أبعاداً أخرى قد تخفي خلفها مخططات خطيرة تتعلق بمستقبل المدينة والحق العربي فيها.

إن القدس لم تسم في يوم من الأيام على أنها "عاصمة الشعب اليهودي" أو عاصمة أي شعب آخر . فقد كانت تسمى بأنها عاصمة فلسطين أو عاصمة الدولة الفلسطينية أو حتى عاصمة دولة إسرائيل على الرغم من أن الأغلبية الساحقة من دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة، لم تعترف بها كعاصمة لإسرائيل.

وهذا المشروع هو مشروع عنصري في أساسه، فمعنى أن القدس عاصمة الشعب اليهودي يشير إلى إصرار الصهيونية العالمية جعل اليهودية قومية، وبالتالي يعطي الحق لكل يهودي عليها، بغض النظر عما إذا كان مواطناً إسرائيلياً أو لا، أو كان يعيش في إسرائيل أو لا، في حين يمنع حق الشعب الفلسطيني عنها. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن في إسرائيل حوالي مليون ونصف المليون مواطن من غير اليهود فإن ذلك يعني أن القدس ليست عاصمتهم وبالتالي قد تنطبق عليها قوانين "الصندوق القومي اليهودي" العنصرية

فحسب قوانين هذا الصندق فإن كل ممتلكاته تابعة للشعب اليهودي، وقد تأسس في أعقاب المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد في عام 1897بهدف شراء الأراضي والعقارات في فلسطين، هناك قصص كثيرة كيف قام المسؤولون في هذا الصندق بطرد الفلاحين الفلسطينيين من أراضيهم بعد شرائها بحجة أن قوانين الصندوق لا تسمح بوجود غير اليهود عليها. وبالتالي لا يحق لغير اليهودي أن يستفيد منها بأي شكل من الأشكال.

وفي عام 1961قررت الكنيست الإسرائيلي منح الصندوق القومي اليهودي ملكية جميع أراضي الدولة، والتي كانت تشكل حوالي 75بالمائة من أراضي الفلسطينيين الذين طردوا من ديارهم في حرب 1948.كان الصندوق يمتلك في تلك السنة 14بالمائة من أراضي فلسطين في حدود 1967، ولكن بعد قرار الكنيست أصبح الصندوق يملك حوالي 90بالمائة من أراضي الدولة.

وبسيطرة "الصندوق القومي اليهودي" على هذه الأراضي حرم غير اليهود من الاستفادة منها. مثلا حسب قانون هذا الصندوق يمنع غير اليهودي من العمل على تلك الأراضي أو شراء منزل أقيم عليها أو يستأجر شقة أو بيتاً أقيما عليها أو قطعة أرض لفلاحتها. ونحن هنا نتحدث عن مواطنين غير يهود يعيشون في الدولة.

كما حاول دافيد بن غوريون عندما كان رئيساً للحكومة أن يضع ميزانية التعليم تحت تصرف هذا الصندوق العنصري كي لا تستفيد المدارس العربية من الميزانية إلا أن هذا الوضع كان حساساً ورفض الكنيست العرض.

واليوم عندما يقرر أغلبية أعضاء الكنيست أن القدس عاصمة الشعب اليهودي يتساءل الإنسان عن السبب الحقيقي وراء هذا القرار العنصري. هل معنى هذا أن من يرفض ذلك الموقف يصنف على أنه "لاسامي"؟ وهل هذا التحرك جاء ليضع ضغطا على دول العالم كي تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل؟ أغلبية دول العالم لا تزال ترفض أن تعترف بالقدس عاصمة إسرائيل فكيف يمكن لها أن تعترف بها عاصة للشعب اليهودي؟

والغريب في الأمر أن قرار الكنيست هذا جاء بعد يوم واحد من خطاب مرشح الحزب الديمقراطي الأمريكي لرئاسة الولايات المتحدة باراك أوباما، أمام مؤتمر اللوبي الإسرائيلي "أيباك" والذي قال فيه إن القدس الموحدة عاصمة إسرائيل (ثم تراجع عن موقفه هذا في اليوم التالي).

إن القدس هي العمود الفقري للشعب الفلسطيني بغض النظر إذا قبلت إسرائيل ذلك أم لا، ولا سلام يرجى إذا لم تعترف إسرائيل بالحق العربي في القدس .