(التقط صورة لكي تبقى حيًا)، و(الصورة الفوتوغرافية الساكنة تعكس حياة مليئة بالحركة)، و(المهم هو كيف ترى ذاتك في صورة جديدة عليك)، هذه مقولات متداولة في الثقافة الغربية عن الصورة الفوتوغرافية الحسّية التي نلتقطها للأماكن وللأشخاص وللأحداث والمناسبات المختلفة. وهي توضّح مكانة الصورة في ثقافة المجتمع ومدى اهتمام الناس بها ليس فقط للتوثيق أو للذكرى وإنما لاكتشاف عوالم أعمق ممّا هو معروض، ذلك أن الصورة تمنحنا فرصة الخوض في تجربة فريدة من التفاعل البصري والحسي والخيالي.
من هنا يمكن فهم حرص عدد من الناس على اصطحاب كاميراتهم معهم أينما ذهبوا لأنهم يريدون اقتناص فرص نادرة لتصوير بعض المواقع أو المواقف التي لا تتكرر في الزمن ولا في التركيب من حيث اجتماع الحدث مع الشخصية. فالصورة الفوتوغرافية تأخذ مقطعًا واحدًا من إيقاع الحياة ثم تثبّته على وضعية معينة، وهذه الوضعية تعرض علينا مشهدًا متكاملا يخزّن مجموعة من العناصر المهمة التي تتمثل في: التجربة الإنسانية، والموقف الحادث، والانفعال المصاحب للحدث، والمشاعر التي تقف وراء الانفعال أو تتبعه، والفكرة التي تُجسّد المشهد، والشخصية (سواء أكانت حاضرة في الصورة حينما يدور حولها المشهد أم كانت متخيلة تتمثل في شخص غائب أو تتمثل في شخصية من يقرأ الصورة).
العناصر الستة السابقة تعمل مجتمعة على إثارة ذاكرة الإنسان، ولهذا فإن الصورة بحد ذاتها هي ذاكرة محمّلة بدلالات يمكن النظر إليها دائمًا من خلال العناصر السابقة. وللصورة الثابتة ذاكرة خاصة بكل شخص يمكن له تفسيرها وفهمها وفقًا لثقافته الذاتية وطريقة تنشئته الاجتماعية وتجاربه في مرحلة الطفولة ومابعدها من مراحل وما فيها من صدمات أو مفاجآت أو مآس أو أفراح، إضافة إلى مستوى خياله ونمط تفكيره. هذه عوامل تجعل كل شخص يرى في الصورة ما لايراه غيره، ويقرأ تفاصيل معينة في الصورة قد لا تخطر على بال شخص آخر، وقد يتفاعل مع صورة تبدو عادية بالنسبة لسواه، وربما لا يلقي بالا لصورة مدهشة أو مثيرة لآخرين.
وللصورة الثابتة كذلك ذاكرة أخرى، هي ذاكرة عامة مشتركة بين مجموعة من الناس أو بين شعب أو أمة. فحينما نمعن النظر في صورة ما فإن أفكارًا وصورًا معينة سوف تحضر إلى ذاكرتنا في اللحظة التي نتأمل فيها الصورة، ونجد مجموعة من الناس يشاركوننا تلك الأفكار. فرؤية صورة مقززة مثلا تثير النفور عند عدد كبير من الناس بصرف النظر عن ثقافتهم الخاصة أو انتماءاتهم السياسية والدينية والاجتماعية، ولكن صورة امرأة محجبة مثلا تعطي انطباعات مختلفة بحسب الجمهور الذي يتلقّاها؛ فإن كان المطلع على الصورة من المجتمع الغربي (ولو حددناه بجماعة اليمين المتطرف) فإن نظرتهم إلى تلك الصورة لن تخلو من الضجر والاشمئزاز، لكنها عند الأقلية المسلمة في المجتمعات الغربية هي موضع اعتزاز.
وهناك صور تتحكم في فهم دلالاتها ثقافةُ الناس الإقليمية، فصورة شخص يبتسم تثير الحنق أو النفور عند الناس المحافظين في المجتمعات التقليدية لأنهم ينطلقون في رؤيتهم من مقولات تؤكد على مبدأ الرزانة والوقار خاصة أمام الغرباء، والصورة سوف تذهب للغرباء وغير الغرباء ويجب أن يظهر فيها الشخص بالسمات التي يعلي منها المجتمع، وتبتعد عن السمات التي يقلل من أهميتها كالضحك والابتسام، على اعتبار أن (الضحك بدون سبب من قلة الأدب)، أو (ما يضحك إلا المَضحكة). في حين أن ما يعتبر (وقارًا) في هذه الثقافة هو -على سبيل المثال- عند أكثرية الأمريكيين عبوس وتجهّم، وهو عنوان للعنجهيّة (arrogance)، والعنجهية تعني فيما تعنيه الصلافة والعنف أو التبلّد والبلاهة أو التجهّم والغموض. ومن يتأمل صور الأمريكيين في الصحف وفي بطاقاتهم يلاحظ أنهم يبتسمون أو يتظاهرون بذلك، أما الذين لا يبتسمون فهم في الغالب أولئك الذين تلتقط لهم الصور عند دخولهم السجن.
هذا ما يتعلق بثقافة الصورة داخل الذاكرة الإنسانية. أما ما يتعلق باستنطاق الصورة بشكل عام، فالأمر ليس مقصورًا على الصور التي فيها عناصر بشرية، بل حتى صور الأماكن تستدعي حياة في ذاكرتنا، فحينما نتأمل قلعة طينية قديمة، فربما يخطر في الذهن صورتنا ونحن نقف فوق القلعة في لحظة قراءة الصورة، أو صورتنا حينما كنا أطفالا ونحن نطل من سطح منزلنا مثلا. وقد نرى فيها أشخاصًا نعرفهم أو لا نعرفهم، الأمر يخضع للحظة النفسية والعقلية التي تحصل فيها مشاهدة الصورة وتأملها، ويخضع كذلك لتفاصيل قد تبدو تافهة تتضمنها الصورة، لكنها قد تثير هوّة كبيرة في الذاكرة تجعل الشخص يعيش مشهدًا نابضًا بالحيوية بما فيه من فرح أو ألم. وفي الغالب، يجد كل متأمل للصورة حياة معينة يعيشها للحظات مع كل صورة. وليس الأمر مقتصرًا على استدعاء صور مشابهة أو مناقضة، أو تجربة سابقة أو خبرة مكبوتة، بل إن الصورة قد تستدعي مشهدًا جديدًا لم يحصل تاريخيًا لكنه متحقق واقعيًا عند المشاهد حينما يكون مفعمًا بحالة نفسية معاشة حتى لو كان ذلك المشاهد يتعامل مع معطيات وهمية لأحداث متخيلة.
يحاول التحليل النفسي لاستجابة الشخص للصورة ربط الاستجابة بسمات الشخصية، فهناك مثلا صور تجلب شعورًا يجعل الشخص يحسّ بنوع من البهجة أو الفرح أو الحزن أو الشفقة أو البؤس...إلخ. والسبب ليس راجعًا إلى الصورة ذاتها بقدر مايرجع إلى ما تحمله ذاكرتنا من مواقف قديمة مخزّنة فيها قامت الصورة الجديدة بإثارة ماكان كامنًا في أعماقها. إنه لأمر عجيب أن تنظر إلى صورة فوتوغرافية يظهر فيها رجل كهل جالس على عتبة الباب ثم فجأة تجد نفسك تتذكر موقفًا مرّ بك قبل عشرات السنين، وقد يكون موقفًا عابرًا في وقته لكنه بقي في جزء من ذاكرتك طوال هذه السنين، وربما تتوقع أنه لايمكنك أن تتذكره بسبب بساطته ولكنك الآن بعد كل هذه السنين ترى الصورة مجسدة أمامك وكأنك بالفعل تعيش تلك اللحظة بظروفها المحيطة بها.
الذاكرة البشرية عجيبة وخطيرة وذات تأثير هائل على حياتنا، فمن خلالها تتشكل رؤيتنا للعالم وتنتظم أنماط سلوكنا في التجاوب مع المواقف الجديدة والمواقف المتكررة التي نواجهها كل يوم. والصورة هي شفرة ثقافية تكشف عن النسق الثقافي الكلي للذاكرة البشرية.