كثيرون كتبوا عن الحضارات طفولتها، وشبابها، ثم كهولتها وشيخوختها، فموتها، وقيل إنها مغامرة مبدعة، بدأت بالاستيطان واكتشاف الزراعة، ثم بناء المدينة التي نشأت حولها إبداعات الإنسان وكشوفه، وسن قوانينه، وتطوره.
فالشرق مستودع الحضارات الأولى ومنشؤها، وبسبب روح التملك والهيمنة، ماتت حضارات، أو قهرت ونشأت أخرى، أو دمرت بواسطة القبائل النازية ورعائها كما حدث في الصين قبل بناء السور العظيم، لتنشأ أخرى في مكان وزمان آخر.
المحير أن الحضارات نشأت من خلال سلطة كهنوتية، او دينية بطقوس بدائية، وتحت سلطة أباطرة، وعائلات صنفت المجتمعات الى طبقات عليا، ووسطى ورديئة مقيدة بقانون الرق، وفي هذا الشرق العظيم والفسيح ولد مع الحضارة اكتشاف الأبجديات وعلوم الفلك، والاقتصاد المنظم، وحتى الملاحم والأساطير والقوانين المنظمة لمجتمع ينتج اقتصاداً يقوم على رقيق الأرض، وحتى المعابد تم بناؤها بالسخرة، وفي هذا البناء المتضاد اجتماعياً وطبقياً، بقيت شواهد تلك الحضارات مجرد ذكريات للتاريخ عندما شاخت وبقيت أطلالاً.
ومثلما ولدت تلك الحضارات من رحم مجتمع متطور في حينه، لكنها ماتت بفعل تآكلها من الداخل، وقد غابت عن ساحة الحياة، لتنشأ حضارة أخرى، لم تقم على ايديولوجيا او مقدس، بل نشأت مكتشفة العالم ومهيمنة عليه بوحشية ميلادها القوي، ولعل الحضارة الغربية من بين كل الحضارات هي التي فجرت العالم بالمنجزات العلمية، والحروب العالمية، ومع ذلك كتبت سفرها بأنها حضارة تتوالد، ولا تموت، وهذا السر الذي طبع بآثاره شعوباً أخرى، حطم، ولأول مرة، أسطورة سقوط الحضارة، والسر هنا أن الإنسان، بمعيار نظامها، وقوانينها، هو الكفاءة الدائمة التي تستحق الحرية والحماية، وفرض الحقوق، ولعل سيادة هذا القانون حتى على دول نصف همجية حينما فسرت العالم من خلال طبقية الرجل الأعلى او "السوبرمان" في تعاليه المعرفي، فشل لأنه استرشد بقانون بدائي ليس له معمار في حضارة الكفر والعلوم والحرية العامة.
لماذا سقطت حضارات الشرق، ودامت حضارة الغرب، رغم أن روما وأثينا لم تكونا البدايات الأولى للفلسفة والعلوم واطلاق طاقات الإنسان، بل سبقتها آسيا وأفريقيا، وحضارة (المايا) في أمريكا الجنوبية، وحتى محاولة اختزال العالم بحضارة واحدة كذبته أدبيات تاريخية بأن التفاعل البشري تم من خلال سلسلة طويلة كان ثمرتها المنجز الحضاري اليوم؟.
قد يعود السبب أن الأنظمة المتطورة هي التي اخترعت الاتجاه الديموقراطي، والذي كان السبب المباشر بنشوء حضارة الغرب وديمومتها، ولعلك وأنت تشهد بدايات تلك النهضة، كيف تم تحييد الجذور القومية، والأديان ومذاهبها، والعوازل الجغرافية، ليحل بديلاً عنها علاقة جديدة بين الإنسان وعالمه الأرضي، وما فوقها بنظام يتم اختياره طوعيا لا قسرياً، نشهد توحد القارة الأوربية على مبدأ وحدة الضرورة وفق قانون واحد وتعدديات قومية ودينية، يحكمها اقتصاد واحد، لنظام سياسي، استطاع الرقي بالوعي العام بأن يكون الحصانة لهذه الوحدة وقوانينها، والتي بقيت حافزاً لمجاميع قارية أخرى تخطط لهذا الأسلوب الوحدوي الذي لا يتم بالضم او الدماء، وتعليق المشانق باسم حتمية الوجود والتاريخ.