• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 1319 أيام

من طرابلس إلى أيبي لماذا يفشل خطاب الاعتدال ويزدهر الخطاب الراديكالي؟

عادل بن زيد الطريفي

    لا بد وأن أحداث طرابلس الأخيرة قد أقلقلت المهتمين بالشأن اللبناني، إذ أن المواجهات ما بين السنة والعلويين من جهة، والاحتقان ما بين الشيعة والمسيحيين من جهة أخرى، قد أسدل الستار على ما كان يظن أنه توافق تاريخي أنتجته حوارات الدوحة بعد عامين من الانتظار. بيد أن كل ما في الأمر هو أن المعارضة قبلت تنصيب الرئيس ميشال سليمان، ولكنها فرضت أغلب شروطها في المقابل، حتى أنها ما تزال تعطل تأليف الحكومة الجديدة - للأسبوع الخامس - لأجل أن يفرض العماد ميشال عون وزراءه على الحكومة.

فشل كبير وتراجع للحالة اللبنانية، بعد أن كانت في 14آذار 2005على وشك انقلاب مفاهيمي ومجتمعي كبير باتجاه الديمقراطية والوحدة الداخلية، ولكن يبدو أن الأخطاء السياسية الكثيرة التي ارتكبها قادة التيار في الداخل، والنصائح المغلوطة التي تلقوها من الخارج ساهمت في انحسار مدهم الشعبي، وتراجعه إلى معدلات مماثلة لما قبل اغتيال الحريري، وجزء من هذا الانحسار مرده إلى فقدان المواطن الثقة في التيار الذي وقف خلفه، لأنه عاجز عن حمايته كفرد وليست لديه القدرة على تحدي الخطاب الراديكالي المتطرف الذي مثله عسكريو الاحتلال السوري، ورجالات حزب الله المؤمنون بولاية الفقيه.

لطالما كان خطاب الاعتدال موجوداً بالمنطقة، ولست مع الذين يرون فيه خطاباً جديداً جاء فقط مع الموجة الديمقراطية التي شهدها العالم أوائل التسعينات، ولو قدر لك الاطلاع على أكثر من تجربة في المنطقة العربية لوجدت أن هناك أنظمة جربت هذا الخطاب ولو لفترة قصيرة من الوقت، وعدد غير قليل من القادة العرب حاولوا الظهور بالمظهر الإصلاحي، ونتيجة لذلك اتبعوا سياسات إصلاحية - على الأقل على المستويين الاقتصادي والاجتماعي - ولكنهم سرعان ما تخلوا عن تلك التجربة لأنها لم تمنحهم العوائد الشعبية التي كانوا يوعدون بها. ويكفي قراءة كتاب "الصراع من أجل الدستورية في مصر" لبروس رذرفورد (1999)، أو كتاب الوزير مروان المعشر المثير للإعجاب "الوسط العربي: وعد الإصلاح" (2008) لتدرك أن المنطقة كان بوسعها أن تتغير، ولكن ثمة عوائق كثيرة حالت دون ذلك، ولكن الجامع بينها سيادة خطاب التطرف السياسي والاجتماعي وهزيمة فكر الاعتدال.

هناك فشل واضح لخطاب الاعتدال، فهو عاجز عن مواجهة الخطاب الراديكالي أياً كان، فهو فشل منذ الخمسينات في مواجهة المد القومي الذي فتح الطريق أمام انقلابات العسكر الشباب في أكثر من عاصمة عربية، ثم فشل إزاء التيار الناصري الذي أضر بالنمو الاقتصادي والسياسي في العالم العربي، وأعيته بعد ذلك الفرق والجماعات الأصولية التي تحصد كل يوم عشرات الأرواح، وتمارس الوصاية الدينية والسياسية على عموم المؤمنين في المنطقة.

للأسف، خطاب الاعتدال لا مكان له داخل المنطقة، فهو محاصر في كل مرة يطل برأسه، وبوسع خصومه من التيار الراديكالي (الذي يتبنى العنف) أن يقضي عليه بحجج عديدة، فهو التيار العميل للاستعمار تارة، وهو تيار التغريب تارة أخرى، وفوق هذا وذاك هو التيار (الليبرالي) الموال للولايات المتحدة والغرب، والذي يسعى لتنفيذ مخططات الأعداء داخل بلدان المنطقة.

المفارقة في الموضوع أن التيارات الراديكالية على اختلاف تصنيفاتها الأيدلوجية تتبنى موقف "المقاومة"، وهي تعرض نفسها أم جمهورها كالحامي للأرض والمال والأخلاق والدين، وبالإضافة لكون خطابها مصمم لتبني الشعارات الثورية والمتطرفة تجاه الآخر فإنها لا تلبث أن تقلب سلاحها وعتادها إلى الداخل، فثوار يوليو المصريين حولوا البلد إلى معسكر كبير بعد سقوط الملكية، والثوار الأصوليون في طهران قتلوا بعد الثورة أضعاف ما فعله "السافاك" طوال أربعين عاما، وارتكب الأصوليون في الجزائر أعظم جريمة مدنية في التاريخ الحديث لا يضاهيها إلا التصفية العرقية في راوندا والصربية في البوسنة والهرسك منتصف التسعينات.

ولكن لماذا ترضى شعوب المنطقة بالخطاب الراديكالي؟

ربما هو مزيج من الفقر والجهل وتسلط المؤسسات الحاكمة كما يقول دعاة المجتمع المدني، ولكن ثمة سخط وغضب شديدين داخل الشرق الأوسط، وهما نتاج تراكمي لحزمة المشكلات القديمة والحاضرة، خذ على سبيل المثال قضية رمزية مثل "القضية الفلسطينية"، يجمع كثر من المهتمين بالإصلاح الديمقراطي في المنطقة على أن هذه القضية قد تم استخدامها كثيرا من قبل الأنظمة الحاكمة للتضليل، وإلقاء اللوم والتأخير على عاتق الاحتلال الإسرائيلي، وإلهاء شعوب المنطقة بوعود التحرير.

بيد أن دعاة الإصلاح الديمقراطي يخطئون حينما يزعمون أن حل القضية الفلسطينية من شأنه أن يساهم في تعزيز الديمقراطية في المنطقة، لأن المؤشرات لا تؤيد ذلك. فحتى وإن حرم الخطاب الراديكالي - سواء كان تمثله دول كليبيا وسوريا أو منظمات كحزب الله وحماس - من قضية يثيرون الناس من حولها، فإنهم قادرون على خلق قضايا أخرى لا تقل أهمية. تنظيم القاعدة - على سبيل المثال - يجسد نموذجاً للصراع ما بين الخطاب الراديكالي والمعتدل في المنطقة، فعبر شيطنة الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي استطاع هذا التنظيم أن يبث روح الإرهاب في آلاف المراهقين والشباب حول العالم.

لعل العلاقة الجدلية بين الولايات المتحدة ودول الشرق الأوسط هي تجسيد كلاسيكي لأزمة الخطاب المعتدل، فمنذ الخمسينات وحتى اليوم لم تستطع الدول الصديقة - أو الحليفة لأمريكا - أن تبرر أو أن تسوق علاقتها بأمريكا لمواطنيها وجيرانها. صحيح، أن الولايات المتحدة ارتكبت وما تزال أخطاء كبيرة في لمنطقة، ولكنها في النهاية لم تخرج عن إطار الدولة العظمى التي اتخذت خيارات سيئة، هذا كل ما في الأمر. ولكن الخطاب الراديكالي نجح خلال الستين عاما الماضية في تصويرها كآلهة شريرة مسئولة عن مشكلات المنطقة كلها. قد تكون سياسة الولايات المتحدة الأحادية في غزو العراق، أو إهمال ملف السلام الإسرائيلي/الفلسطيني، أمثلة للأخطاء التي ذكرنا، ولكن من قال إن عليها أن تكون مسئولة عن كل أزمة في المنطقة، أو أن يبرر تكميم الأفواه، أو الوصاية على ملايين البشر باسم "الممانعة" أو"المقاومة" للمخططات الأمريكية.

في لبنان، يدير حزب الله دولة داخل الدولة ويغذي النعرات الطائفية باسم مقاومة النفوذ الأمريكي . وفي أيبي السودانية تستفحل الحرب الأهلية حول النفط، وتلجأ الحكومة لمعارضة الجهود الدولية لحل أزمة دارفور الإنسانية ومحاكمة المسئولين عن الإبادة باسم ممانعة التدخل الأمريكي في السودان، وفي عواصم عربية كثيرة ينشط الأصوليون من جهة وممثلو النظام من جهة أخرى على معارضة أي إصلاحات سياسية واجتماعية بدعوى الممانعة للغزو الأمريكي والأوروبي.

المفارقة أن دعاة الخطاب الراديكالي سرعان ما يخالفون مواقفهم التي يمتحنون بها جيرانهم ومواطنيهم، ويعمدون إما للتفاوض مع العدو، أو عقد ترتيبات واتفاقات سرية معه دون أن يثير ذلك شيئاً في نفوس الملايين في المنطقة، فحماس ابتدأت عملياتها "الانتحارية" لإفشال اتفاقية أوسلو منذ عام 1994، وبعد ذلك بخمسة عشر عاماً، ها هي تعقد اتفاق هدنة مع الإسرائيليين ومفاوضات وتهدد أي فصيل يعمد إلى إطلاق النار دون إذنها، ومثل ذلك مفاوضات سوريا مع إسرائيل الآن بعد أن عملت الأولى كل ما بوسعها لإفشال مشروع "خارطة الطريق". أما حزب الله فهاهو بتفاوض مع الإسرائيليين في الوقت الذي يهدد الحكومة اللبنانية بأي خطوة تجاه عقد مفاوضات مع الإسرائيليين لاسترجاع مزارع شبعا.

هذا التناقض ليس جديداً، فالرئيس عبدالناصر فاوض الإسرائيليين قبل وبعد النكسة نهاية الستينات، والأصوليون الإيرانيون الذين يطلقون على أمريكا "الشيطان الأكبر" اشتروا السلاح خلسة منها فيما عرف بعد ذلك بفضيحة "إيران - كونترا" منتصف الثمانينينات، وليبيا عوضت ضحايا طائرة لوكربي في 2002بعد عقود من الإنكار والحصار.

هكذا نجد أدعياء الخطاب الراديكالي في منافقة صريحة لمثاليتهم التي يقتلون ويخونون على أساسها، فهم يستديرون كل ما أحكم عليهم الحصار لينتهكوا ذات المبادئ التي يزعمون الانتصار من أجلها. بيد أن ما هو أخطر من ذلك، هو عجز خطاب الاعتدال عن فضيحتهم وكشف أخطارهم، وآثارهم السلبية على مصالح دول المنطقة. وأظن الرجل الوحيد الذي استوعب ذلك - وإن يكن متأخراً - هو الرئيس الراحل أنور السادات، فهو حين صدم بتحالف دعاة الخطاب الراديكالي (إسلاميين وقوميين) ضده عبر المؤسسات الديمقراطية - نسبيا - التي أعادها بنفسه للحياة، قال كلمته المشهورة: (الديمقراطية لها أنياب)، وأظنه كان يقصد بوعي - أو ربما بغير وعي - بأنه ينبغي على السياسي أن يلجم الخطاب الراديكالي حين يستغل الفضاء الديمقراطي ومؤسسات السلطة.

الخطاب المعتدل لن يكون له مكان إلا حينما يستطيع الوقوف أمام الخطاب الراديكالي، وأن تكون له الشجاعة في مواجهته، ليس عبر لغة العنف كما يأمل الراديكاليون، بل عبر لغة القانون والمؤسسات، فالاعتدال ينبغي أن تكون له أنياب وأظافر، وإلا هزم في معارك المتطرفين.


حفظ طباعة تكبيير
قيّم هذا الموضوع
 

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق

عدد التعليقات : 3
(جديد) ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    لماذا يفشل الخطاب الاعتدالي كل هذه المدة ؟ لو كان حقا خطابا اعتداليا لنجح ولكنه شعاروليس خطابا
    لماذا يلجأ الراديكاليون للعنف كما تزعم لو كان المعتدلون يمنحونهم الفرصة ويمنحون الفرصة للشعوب لتختاراليس من حق الشعوب ان تختار من يمثلها ؟
    اذا لجأت الراديكالية للأعتدال كما تذكر اتهمتومها بأنها غيرت موقفها وأنها ذات وجهين بينما لا توصف الحركات المعتدلة بزعمكم بأي صفة مع انها تمارس الكذب علانية وبكل صفاقة ويكفي انها ضيعت الأمة طول الفترة الماضية فلأول مرة نسمع أن منعطفا تاريخيا استمر اكثر من ستين عاما

    waleed (زائر)

    UP 0 DOWN

    02:36 مساءً 2008/07/02

  • 2

    يتبع.
    لم تستطع أي من الحركات الإسلامية ان تجد لها موضع قدم بسبب ضغط وتنكيل المعتدلين بزعمك
    الم تمارس الحركة الجزائرية الاعتدال وتصل عبر صناديق الاقتراع ؟؟؟ وماذا حصل بعد فوزها بالمجلس النيابي ؟؟ لماذا تحاسب الحركة على النتيجة وتعفو عن المتسبب بأصل المشكلة ألم يكن الجيش المعتدل كما تزعم هو الذي تدخل والغى نتيجة الانتخابات ؟؟ من الذي استخدم العنف وابرز الراديكالية ؟؟؟
    لماذا نغض لطرف عن ممارسات أمريكا الراديكالية ونصفها بالحمل الوديع وعيب على من اتهما بأنها الشيطان ؟؟؟

    waleed (زائر)

    UP 0 DOWN

    02:39 مساءً 2008/07/02

  • 3

    يتبع..
    لماذا نسمي جبروت أمريكا واستخدامها للقوة المفرطة وشن الحروب والتطهير على اساس ديني صرف وازالة دول من الخارطة على انه مماراسات سيئة - كماا تزعم- لدولة عظمى لها الحق لماذا لا يسمى تصرفا راديكاليا؟؟
    ان العقدة الملتزمة لدى كثير من كتابنا هي الجرأة وحب الظهور من خلال نقد وجلد الذات وتحقير كل ما هو ديني والاستماتة في رضى امريكا وحلفائها دون النظر في مصلحة من تصب تلك الكتابات
    عجبي لا ينقضي لمن لا يكلف نفسه البحث عن حقائق الأمور وإنما يكتفي بنشرات الأخبار ليبني عليها أفكاره ليلفظها على القارئ

    waleed (زائر)

    UP 0 DOWN

    02:44 مساءً 2008/07/02




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

 

إعلانات



نقترح لك المواضيع التالية

الخيارات

للتواصل ارسل SMS إلى الرقم 88522 تبدأ بالرمز (224) ثم الرسالة

إعلانات