د. عبدالله بن إبراهيم العسكر
هذا العقد من السنوات الذي ابتدأ مع مطلع 2000م يصح تسميته بعقد الإرهاب، ونحن لن نذكر الإرهاب إلا ونذكر جهود الدولة في الوقوف في وجهه موقفاً صلباً لا يلين، ونحن نذكر بكل فخر وبكل موضوعية الضربات الاستباقية التي تقوم بها قوات الأمن المظفرة، لقد دعاني بيان وزارة الداخلية الأخير إلى التأمل مرة أخرى في هذا الوباء الذي ما يكاد يخبو إلا ويعود، تذكرت إرهاب الأول من شهر يونيو 2004م الذي شهدته مدينة ينبع الصناعية، وتذكرت إرهاب نهاية شهر مايو 2004م الذي شهدته مدينة الدمام، وتذكرت إرهاب شهر يناير 2005م حيث حاول بعض الإرهابيين اقتحام مصفاة الرياض، وتذكرت محاولة إرهابية فاشلة حدثت في أبقيق في شهر فبراير 2006م وفي شهر نوفمبر من السنة نفسها ألقت قوات الأمن القبض على ست خلايا إرهابية، وتذكرت إرهاب شهر ديسمبر 2007م حيث استبقت القوات الأمنية إرهابيين يخططون لتفجير منشآت نفطية، وأخيرا تذكرت إرهاب شهر مارس 2008م حيث استبقت قوات الأمن مجموعة تخطط لجمع الأموال بأمر مباشر من رجل القاعدة أيمن الظواهري.
أيظن أعضاء القاعدة في السعودية النشيطون منهم والنائمون أن الشعب السعودي وشعوب العالم قاطبة تنسى ما حدث في عقد الإرهاب، ما بالنا كلما قلنا خمدت نار الإرهاب، نجدها تستعر من جديد، لقد كتب الخبراء والكتاب عن هذا الوباء، ولم يتركوا شاردة ولا واردة إلا ذكروها، هل أستطيع أن أقول شيئاً ذا بال، لقد سئمنا من داء الإرهاب، والعلاج الذي نصفه للإرهابيين غير ناجع، ما الأمر؟ ما المخرج؟
اقتضت جهود الحكومة السعودية عند مواجهة الإرهاب أن تقوم بثلاثة أعمال متزامنة: الأول مواجهة الإرهابيين بقوة السلاح وضربهم أينما قاموا أو كشفوا عن وجوههم القبيحة، بل واستباقهم ومحاصرتهم، وأشهد أن العمل نجح نجاحا واسعا، نكاد نراه ونلمسه، وشهد بذلك العالم كل العالم، وما تم الإعلان عنه قبل خمسة أيام إلا واحدة كلمح البصر، استبقت قوات الأمن السعودية وألقت القبض على إرهابيين سعوديين وعرب كانوا يخططون لشن هجمات إرهابية في أقدس البقاع على الأرض، ويخططون لجمع ملايين الريالات عن طريق الصناديق الخيرية وبيع كوبونات الأضاحي للحجاج.
العمل الثاني مكافحة الإرهاب فكرياً، وقد نهضت الدولة تساعدها بعض مؤسسات المجتمع المدني لتجفيف منابع الإرهاب الفكرية والاقتصادية، وأنا كمراقب محايد اعترف من خلال ما أٍقرأ أن النجاح في هذا العمل هو دون المأمول ولا يقاس بالنجاح الأمني ولا يقرب منه، والعمل الثالث هو فضح الإرهاب والإرهابيين إعلامياً ودولياً، وهذا العمل شهد مؤتمرات وندوات محلية ودولية دعت لها المملكة، وشهدت تعاوناً دولياً مواتياً، لكن لا زال إعلامنا دون المأمول أيضا، والسبب في ظني ليس في مؤسسات الإعلام السعودية، بقدر ماهو في طبيعة الشريحة الدينية والثقافية التي تقوم بهذا العمل.
السعوديون لم ولن يخافوا من الإرهابيين لسبب بسيط وهو أنهم في مأمن طالما نجاحات رجال الأمن وخططه تحاصرهم وتضربهم في كل مكان، ربما يخاف السعوديون من الفكر الإرهابي المستوطن في هذه البلاد المقدسة، وهذا الفكر الخبيث كالشجرة الخبيثة التي أصلها لا زال في الأرض، وكلما قطع رجال الأمن من فروعها ومن ثمارها أينعت من جديد، ولا سبيل في زعمي أن يتم القضاء على هذه الشجرة بانتزاعها من جذورها كاملة، كيف السبيل إلى ذلك.
يغذي هذه الشجرة الخبيثة مصدران، فكري ومادي، أما المصدر المادي فهو الأسهل، على هذه الحكومة المباركة محاصرة كل ما يشم أو يظن به الظنون من كل مصدر أو جهة فردية أو اعتبارية أو مجموعة، يجب التشديد في هذا الشأن فالمال الذي يخرج من هذه البلاد، ربما عن حسن نية، يجب منعه من الخروج ومعاقبة صاحبه، يجب قطع الطريق دون وصول هذا المال إلى القاعدة في الداخل أو الخارج، ويجب قطع الطريق دون وصول المال من الخارج إلى الخلايا النائمة في السعودية. مصادر التمويل كثيرة ومعقدة، ألا ترى أنهم يستغلون شعيرة إسلامية عظمى، ويبيعون على الحجاج كوبونات يذهب ريعها إلى القاعدة، قاتلهم الله أنى يؤفكون، كيف سمحت لهم عقولهم أو قلوبهم أو دينهم بغش الحجاج.
أما المصدر الفكري فهو المصدر الصعب، وقد سمعت تصريحا لبعض المسؤولين السعوديين ان المواجهة الفكرية مع الإرهابيين دون المأمول، لجنة المناصحة قامت بعمل جيد، لكنه دون المأمول ايضا علينا أولا ان نعترف أن الفكر المتشدد الاقصائي والتكفيري هو غذاء مناسب للمصدر الفكري الإرهابي، تداخل الدين مع الفكر المتشدد أو التكفيري تداخل واسع، وباستطاعة المنظر الفكري للإرهابيين أن يغرر بالشباب السعودي عن طريق دروس الدين والدعوة دون أن يلتفت اليه أحد، الا بعد خراب البصرة، يستطيع المنظر الفكري أن يقوم بعدة عمليات فكرية وهو يقوم بعمله في المدرسة أو في المسجد أو في مجال الدعوة إلى الله، وهو يقوم مثلاً بعمل تنفير الشباب من الحياة المعاصرة، والبعد عن أهل الحكم والعلماء المعتبرين وتشويه سمعتهم، وتقسيم المجتمع إلى ليبراليين وإسلاميين وعلمانيين وقوميين وحداثيين إلى آخر التقسيمات التي لا يعرف هو مدلولها الصحيح، ثم يقوم بعمل التكفير إذ يعمد ويقول هذه الفئة كافرة وحسب ثم إذا سأله الطالب أو التابع أو المريد عن أعمال إرهابية وعن الإرهابيين طفق يبرر أعمالهم ويجد لهم العذر.
ومن أصعب الأمور في المصدر الفكري هو ما يمكن تسميته بالفكر المتربص، وهو يقوم على إظهار عكس ما يبطن، وهو فكر تربصي، تجده يشجب الإرهاب والإرهابيين في وسائل الإعلام أو من على منابر المساجد أو حلقات تحفيظ القرآن الكريم، إلا أنه يتربص في الوقت والمكان المناسبين ثم يبدأ في تسويغ أو يتبع تقنية (وفي المعارضة مندوحة عن الكذب) فهو يشجب العمل الإرهابي جملة وتفصيلاً، ولكنه يسارع ويقول: لابد من البحث في أسباب الإرهاب، ساعة يقول بأسباب سياسية، ويقول انظر ما يحدث في العراق أو فلسطين، وساعة يقول بأسباب اقتصادية، ويقول انظر لأعداد الباطلين عن العمل وعدد الفقراء، وهو يقول بهذه الأسباب ليخرج من تبعة معتقده الفاسد، لكنه يعلم أن الإرهاب مرض ووباء وغسل أدمغة لا علاقة له بالدين الا كعلاقة دم الذئب بيوسف عليه السلام، ولا علاقة له بالسياسة ولا بالمعارضة السياسية، ولا علاقة له بالاقتصاد.
لكن السؤال لماذا يقوم هؤلاء القوم بهذا العمل؟ أنا لا أؤمن بنظرية المؤامرة، على أنني أظن أن السبب يكمن في بعضهم يعتقد اعتقادا انه على الطريق الصحيح، وأن الحكومة كافرة، وان السعوديين على جهالة كبيرة، وأنه يجاهد في الله حق جهاده، وهذا لا ينفع معه لجنة مناصحة ولا غيرها ومنهم المغرر بهم ومنهم من لديه أجندة خاصة يعرفها أو لا يعرفها، وهؤلاء لهم ارتباطات خارجية، أقول قولي هذا وأنا لست متيقنا منه، لانني لم أقابل أياً منهم، لكن القول النهائي يأتي عندما تنشر وزارة الداخلية تحقيقاتها مع المقبوض عليهم من أئمة الفكر الإرهابي، وعندما تحيلهم إلى القضاء ليقول كلمته فيهم، عندئذ سنعرف على وجه الدقة ما الأمر، وما عدا ذلك فهو محاولة للفهم، والله المستعان.