الرئيسية > لقـــــاء

بين السماء والأرض


تركي بن عبدالله السديري

هذا العالم الآمن في سقف الدنيا بالسويد بالتأكيد ليس في ذاكرته شيء عن فروسية البداوة، وبالتالي فرجولته لا تعتمد شعار أنه "يجهل فوق جهل الجاهلينا".. والبداوة هنا ليست في مفهومها العرقي ولكن في كل انزواء عن أي نمط حضاري أو ثقافي أو معلوماتي جديد تعبر عن انغلاقات الانتماءات.. عالم متواضع للغاية في دروب علاقاته، مرتفع للغاية في سقف مستويات معيشته والاستدلال بالعلم لصنع القرى الحديثة الذكية..

أعتقد أن إمكانية التمييز بين مجتمعات العلم والثقافة والأخرى التي تتناول هذا المطلب الصعب رؤية وممارسة محدودة في سيرة من يمر بنا ذكرهم عبر مئات السنوات بتعريف أنه كان مصلحاً.. إمكانية التمييز ليست صعبة لأن النضج سلاماً ووعياً وثقافة وعلوماً ليس "حالات نبوغ خاصة"، وليس "تكويناً أكاديمياً أو اقتصادياً" لفئة قدرة خاصة ولكنه، وهذا الملحوظ المدهش، ممارسة عامة.. مستوى عام..

في شرقنا الأوسط وشمالنا الافريقي يكاد يوهمنا تواجد التلفزيون وتعدد قنوات البث الفضائية بين ما هو إباحيات مستهجنة وأغنيات قرى و"مجد" مرئيات "دينية" وعروض اهتمام بالشعر..

مثلما يكاد يوهمنا بريق الرخام وامتداد الاسفلت وضخامة مباني الجامعات والأسواق ومعارض البيع الكبرى أننا قد التحقنا فعلاً بالعالم المتقدم.. لكن.. ما أسهل الانزلاق خارج ذلك البريق الحضاري إلى حالة شد الخنجر سواء بالقتل الإرهابي أو التهديد القبلي أو العنف الأسري أو تضارب حالات التكفير الديني، فيخيل لك أن الرخام قد انكمش وتلاشى، وأن الفضائيات ليست إلا جسوراً وهمية تتصل بكون بعيد وأن أشجار الحديقة قد تطايرت وتكاد تسمع رغاء الجمال وأنين الرعاة..

كم حالة ذهول تأخذك.. هل أنت إنسان مزيف.. لماذا لا تكون إنساناً راقياً بطلب العلم والثقافة، لكن السائد العام يحتاج إلى ترويض صعب.. أن تتفاءل فتسعى للمساهمة في إصلاح ما حولك من مفاهيم ومرئيات، أما عندما تيأس فيبدو لك أن النزوح إلى الشمال خارج الشرق الأوسط والشمال الأفريقي لن يكون استسلاماً لفشل ولكنه إلحاق لجيل جديد معك بأجيال تجاوزت صعوبات الوعي البشري..

من يريد أن يرى التقدم على شكل أطباق جميلة وتنويع أسماك وتعدد ألوان مشروبات وبريق امتداد سجاد فاخر وتقسيمات هندسية على سطح الرخام فإنه لن يعدم أن يرى ذلك في معظم الأماكن سواء عند مجتمعات متقدمة علمياً وثقافياً أو عند مجتمعات متقدمة المظاهر ومشغولة في تفكيك خلافات فئاتها سيذهل عندما يجد مميزات التقدم القصوى ليست هندسة التكوين المادي وإنما باستيعاب الإنسان المضطر للهجرة جوعاً أو اضطهاداً أو تمييزاً فلا يعاد مكبلاً إلى الطائرة ولكن للجنة تتولى الاهتمام بوضعه والتأكد ما إذا كانت الأسباب السابقة صادقة ليتم استيعابه وتهيئته للعمل..

البساطة في المفاهيم أوجدت الانخداع بجمال المظاهر.. والتعقيد والانغلاق أوجدا الخلافات الحادة بل التكفيرية القاتلة حول استيعاب ما هو جديد حضاري وبالذات حين يكون إنساني المعالجة..

أنا لا أتحدث عن مساحة محدودة وإنما أضع في المقارنة كل الوجود العربي..

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة