كنت من المعجبين برابح صقر وبأغانيه الأولى المميزة والتي لازلت أستمع لها بإخلاص العاشق القديم كأغنيته التي لا تنسى "غريبة حب بعض الناس سرق نومي من عيوني" وأغنية "وادعتني" و"سرى الليل"، أقول كنت لأني لم أستطع التجاوب مع أعماله الجديدة التي يبدو أنها تأثرت بالموجة الجديدة التي جرفت معها كل ما هو جميل في الأغنية العربية. لكن هذا لا يلغي احترامي لرابح بوصفه فناناً مثقفاً لديه استيعاب عميق للمفاهيم الفنية وللمصطلحات الموسيقية التي يفتقدها نظراؤه الفنانين بشكل واضح.
في لقائه الأخير مع أحمد الحامد عبر أثير MBC FM تحدث رابح عن الساحة الغنائية وأسهب في شرح مفاهيم "الذوق" و"الرؤية الفنية" بدقةٍ أكد من خلالها عمق استيعابه لها وبشكل مغاير عن بقية الفنانين الخليجيين والعرب الذين ما أن يدخلوا في هذه المنطقة الفكرية "الفلسفية" حتى يخلطوا الحابل بالنابل بشكل مزعج يدفعك للتساؤل عن ثقافة هؤلاء ومستوى إدراكهم لفكرة الفن من الأساس. رابح كان استثناء جميلاً واقتحم هذه المنطقة بثقة العارف الذي يعلم عن ماذا يتحدث.
وكان من بين ما لفت نظري في ذلك اللقاء حديث رابح عن دور الجمهور المؤثر في انتخاب الفنانين وفرز الجيد من السيئ؛ فمن أجمع الجمهور عليه هو فنان جيد ومن تجاهله الجمهور فهو سيىء بالضرورة. وهذا الكلام صحيح من الناحية النظرية فقط لأن النظر إلى واقع الساحة يعطي عكس هذا الرأي تماماً حيث لا يكون للجمهور ذلك الدور المؤثر في استمرار الفنان ونجاحه والدليل أن هناك مطربين سيئين بشكل مريع ومغمورين جداً ومع ذلك نراهم يُستضافون في القنوات الفضائية وفي الإعلام كما لو كانوا نجوماً كباراً تقف خلفهم قاعدة جماهيرية عريضة. وانظر -مثلاً لا حصراً- إلى المغني خالد حسين وإلى عبدالقادر الهدهود ومرام الكويتية كيف لا يزالون متواجدين في ساحة الإعلام بوصفهم نجوم أغنية رغم أني -أكاد- أجزم أن ألبوماتهم خاسرة في لغة السوق التي يفترض أن الجمهور هو المتحكم الأول فيها.
الجمهور العربي مغلوب على أمره، وأمواله التي يدفعها في سوق الأغنية ليس لها دور في تحديد الفنان الناجح من الفاشل لأن هذا التصنيف يعتمد على عوامل أخرى ليس من بينها رأيه، حيث يكفي أن تتفق القنوات الفضائية والشركات المعلنة على فنان معين حتى تبدأ في تكريسه إلى أن يصبح نجماً بالقوة دون النظر إلى حجمه الفعلي في ساحة الفن، حتى لو كان فاشلاً بالمعنى الحرفي للكلمة وألبوماته خاسرة فسيبقى هو النجم الذي تلاحقه الأضواء. ذلك لأن المعلن العربي يعتمد في سياسته الإعلانية على انطباعه الأول عن الفنان والقنوات الفضائية تعزف على وتر هذا الانطباع فتكرس من حضوره رغبة في التهام المزيد من كعكة الإعلان.
في أمريكا الجمهور له كلمته الفصل في استمرار الفنان الجيد وإقصاء السيئ وذلك لأن الساحة الفنية هناك محكومة بصرامة بلغة الأرقام الصريحة التي لا تجامل أحداً، فالبرامج التي تستضيف النجوم لها قوائم معروفة ودقيقة عن عدد المشاهدين، والألبومات تلاحقها إحصاءات مستمرة عن حجم المبيعات، وبناء على هذه القوائم يحدد المعلن البرامج التي سيعلن فيها وتحدد شركات الإنتاج الفنان الذي سيأتيها بأرباح كبيرة. أي أن حركة الجمهور هي التي تحدد خيارات المعلن وشركات الإنتاج والقنوات الفضائية على السواء.
كلام رابح صقر يصدق على الحالة الغربية أكثر من العربية لأن الجمهور العربي يعيش على الهامش فعلاً وليس لأمواله ولاختياراته دور حقيقي في توجيه الساحة الفنية ولو كان لها دور لما رأينا أنصاف الموهوبين وهم يعتلون سدة الإعلام ويتحدثون كما لو كانوا نجوماً كباراً تقف خلفهم قاعدة جماهيرية عريضة!.