بحث



الثلاثاء 27 جمادى الآخر 1429هـ -1 يوليو2008م - العدد 14617

عودة الى محليات

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


أمر ببنائه الملك عبدالعزيز عام 1353ه بين رافدي حنيفة وسط البساتين
"قصر البديعة" .. مضيف المؤسس ومقر اجتماع خاصته

تقرير - بندر الناصر
    في بداية الثلث الأول من الخمسينات الهجرية أمر جلالة الملك عبدالعزيز - يرحمه الله - ببناء قصر البديعة الذي يقع على مجرى وادي حنيفة من الناحية الغربية، بين شعيب أم قصر من الناحية الشمالية وشعيب غضوانه من الناحية الجنوبية، وهما رافدان يصبان في وادي حنيفة المعروف محلياً باسم الباطن.

والبديعة قسم من الباطن، وهي عبارة عن بساتين متعددة ومتقاربة على حافة أرض منخفضة لمجرى سيل أو أخدود منخفض عن مستوى الأرض، وممتد بشكل مستطيل إلى مسافات بعيدة، وحافات هذا المجرى مغطاة بأشجار النخيل الباسقة.

وفي وسط بساتين البديعة أنشأ الملك المؤسس قصرين متجاورين يتردد عليهما هو وضيوفه صيفاً، ومنظر كليهما جميل وبديع للغاية، وقد جرت عادة الملك إذا جاء من الرياض أن ينزل في القصر القديم ويمكث فيه حتى يصلي الظهر، ثم يذهب إلى غرفة النوم فينام فيها ويخرج بعدها الساعة الثامنة والنصف من النهار بالتوقيت الغروبي إلى القصر الآخر المشيد، ويجتمع هناك بخاصته حتى يصلي العصر ثم يعود إلى مجلسه حتى الساعة الحادية عشرة فيقوم لتناول طعام العشاء، وبعد ذلك يخرج من معه إلى بطحاء الوادي، وهناك يجلس حتى يصلي المغرب ثم يعود إلى الرياض.

ولقد استخدم هذا القصر أيضاً لسكن الضيوف الذين يأتون للعمل لدى الشؤون الخاصة، حيث ذكر الرحالة الياباني إيجيرونا كانوا أنهم أخذوا تصريحاً من الملك ليدعوا مهندسين أمريكيين يقيمان بالمبنى الجنوبي المجاور.

وقد استمر القصر يستخدم كمقر للضيافة بعد أن بني قصر المربع والقصور المجاورة له، حيث انتقل جلالته إلى المربع واستخدم قصر البديعة وملاحقه قصوراً للضيافة الملكية، وفي عام 1374ه اتخذ هذا القصر الذي يقع في نخل الخديمي في البديعة كمقر لمدرسة الباطن السعودية بعد أن كانت مدرسة الباطن تنتقل من مبنى إلى آخر داخل حي قديم يطلق عليه حارة العمانات مقابل قصر البديعة على الضفة الشرقية من وادي حنيفة.

تخطيط القصر وبناؤه

ولم يكن للملك عبدالعزيز - رحمه الله - من يخطط له مبانيه على أسس هندسية معمارية، بل كان يتولى بنفسه وبمشورة بعض رجالاته هذه المهمة. فعلى الرغم من معرفته بأن تشييد المباني السكنية الكبيرة وكذا قصور الحكم، تحتم على منفذها اتباع تصاميم معمارية دقيقة، إلا أنه يدرك أن عجلة النمو السريعة في دولته، إلى جانب ظروف بلاده الاجتماعية والجغرافية في ذلك العهد، تدفعه إلى استغلال مواد البناء من البيئة المحلية، واستثمار الطاقات البشرية الحرفية المتوفرة.

ولقد كان أسلوب تخطيط وتصميم المباني الطينية في عمارة المملكة التقليدية يعتمد في أساسه على حاجة صاحب المسكن أو القصر من الوحدات والمرافق الداخلية التي تفي بضروريات السكان، مع عدم تجاوزها إلى ما ليس في متناول اليد.

وكان الملك عبدالعزيز عندما يعتزم إقامة قصر ما فإنه يعرض الأمر على من يرى من مستشاريه، ويبين لهم الغرض من إنشائه، كما يناقش معهم ما يحتاجه هذا القصر أو ذاك من مرافق وخدمات أساسية، من قبيل مجالس الرجال وأماكن استقبال الضيوف وأقسام النساء أو العائلة، وكذا المسجد والمكاتب ونحوها، كما كان يبين لهم حجم القصر وعدد أدواره ومكان تشييده، بل كان يقف بنفسه على موقع البناء ويوجه رجاله في كثير من الأمور الإنشائية والوظيفية.

ولقد عهد الملك عبدالعزيز إلى المشرف على بناء القصور الشيخ محمد بن قباع، لإقامة قصر البديعة الجديد، وذلك سنة 1353ه (1935م)، وكان أسلوب تخطيط المباني في ذلكالعهد لا يتم على مخططات أو لوحات ورقية كما هو الحال اليوم، بل يتم بتخطيط المبنى في ذلك العهد لا يتم على مخططات أو لوحات ورقية كما هو الحال اليوم، بل يتم بتخطيط المبنى على الأرض مباشرة، ويتم ذلك بأن يقوم البناء (الأستاذ) أو المشرف على البناء نفسه - بعد التعرف على موقع وحجم القصر - بوضع خطوط تفصيلية يقدمه على الأرض وقد يستعين ببعض الحبال الليفية أو الصوفية بحيث يخط في البداية موقع الجدار الخارجي ثم تنطلق خطوط الوحدات والمرافق الداخلية حسبما اتفق عليه، وبهذا الأسلوب يستطيع المشرف على البناء مراقبة استقامة الأساسات وتوازن الأضلاع، وكذلك حجم الغرف والساحات والمصابيح وفتحات الأبواب، بحيث يعدل ويحسن كيف يشاء قبل بدء التنفيذ، وبعد أن تتم هذه المرحلة الأولية الأساسية تحفر الأساسيات ويبدأ البناء.

ومن خلال الوقوف على قصر البديعة ومعاينة أسلوب بنائه، وبعد إجراء بعض المجسات اليدوية في نقاط مختلفة منه تبين أن أساسات الجدران الخارجية للقصر مبنية بأحجام صخرية بيضاء مشذبة بطريقة تمكن البناء من تشييد حوائط القصر بشكل هندسي مستقيم. وقد حفرت أساسات القصر بعمق يتراوح بين 80و120سم، وعرض يصل إلى 60سم، ورصت فيها المداميك الحجرية بطريقة منتظمة.

ولم تشيد أساسات جدران الوحدات الداخلية على مداميك حجرية، بل بنيت بمداميك (عروق) طينية سميكة، وذلك نظراً لأن هذه الجدران ستكون محمية بجدران القصر الخارجية من أضرار المياه والرطوبة وكذلك رغبة من البناء باستغلال مادة الطين الجيدة المتوفرة بوادي حنيفة المشيد فيه القصر، كما تم استكمال بناء الأجزاء السفلية من القصر بطريقة المداميك، ويتمثل هذا الأسلوب برص كتل الطين المخلوط فوق بعضها البعض على شكل صفوف مستقيمة تدك بالأيدي أو بواسطة لوح خشبي معد لهذا الغرض، أما الأجزاء العلوية من القصر، وكذلك الشرفات الخارجية والداخلية، وبعض الجدران الصغيرة فهي مبنية بالطوب اللبن.

ولقد كسيت جميع جدران غرف القصر ووحداته من الداخل والخارج بطوبة طينية مخلوط بالتبن، وهو ما يعرف محلياً (المشاش)، ثم غطيت طبقة اللياسة الطينية هذه بأخرى رقيقة من الجص الأبيض، وخصوصاً داخل المجالس وغرف القصر الرئيسية والمسجد والأعمدة والشرفات، وأفاريز النوافذ والأبواب، أما فيما يتعلق بأعمدة لواوين (مصابيح) القصر فلقد بنيت بواسطة أحجار اسطوانية الشك مشذبة خصيصاً كي تأخذ الأعمدة هيئات رشيقة إلى جانب استقامتها ومتانتها، ولقد ربط فيما بين أعمدة هذه المصابيح بواسطة سواكف متينة أعدت من خشب الأثل، بحيث تستند هذه السواكف على تيجان الأعمدة، وهي عبارة عن ألواح حجرية مربعة الشكل تثبت فوق رؤوس الأعمدة، ويطلق عليها محلياً (القنايع).

ونظراً لقرب قصر البديعة من المزارع الكثيرة المتناثرة على طول وادي حنيفة، فقد استغلت أشجار الأثل في تغطية أسقف غرف ووحدات القصر، وقد اختير للدور السفلي أخشاب سميكة إلى حد ما ورصت بجانب بعضها البعض بشكل متقارب، أما الدور العلوي فقد وضعت فيه تلك الأخشاب الأقل سمكاً، ويأتي هذا التميز في السمك بين أخشاب الدورين السفلي والعلوي تقديراً من المعمار إلى أن أخشاب الدور السفلي سيكون عليها وزن أثقل من العلوي. كما استغل جريد النخل لتغطية السقف، بحيث يوضع الجريد بشكل طولي فوق الأخشاب، ويكون بدوره مرصوفاً بجانب بعضه البعض ومتخالف الأطراف، كي لا يترك أدنى فراغ بين الجريد. وكمرحلة نهائية يوضع فوق الجريد كمية من الخوص، وفوقه كمية كبيرة من الطين يصل سمكها من 20إلى 30سم، وذلك للحفاظ على الغرف من الأمطار والرطوبة، وكذلك لإعطاء الطين خاصية العزل الحراري صيفاً وشتاء.

وحدات القصر المعمارية

يشتمل قصر البديعة على العديد من الوحدات المعمارية والعناصر الزخرفية نتناولها على النحو التالي: يأخذ القصر شكلاً مستطيلاً طوله 76.68م، وعرضه 22.12م، وهو مبني من دورين ومقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية يوحي كل منها حسب مرافقه وخدماته أنه قصر مستقل بذاته. فكل منها يحتوي على فناء مركزي أو وسط (بطن الحوي)، تطل عليه الممرات الجانبية أو ما يعرف باللواوين أو المصابيح، كما أنها تحتوي على عدد من الغرف والدرج المؤدي إلى الوحدات العلوية. كذلك يحتوي القسمين الجنوبي والشمالي على مدخل رئيس كبير، أما الأوسط وهو الأصغر فيتصل بالقسمين عبر ممرات داخلية.

وتبدو غرفة القصر مستطيلة الشكل وبعضها الآخر مربعة، ونظراً لأن معظمها كبير الحجم نسبياً فإن أسقفها محمولة على أعمدة مركزية مشيدة من الخرز الحجري، وتتبع من منتصف الغرفة لتستقبل سواكف خشبية عريضة تحمل بدورها أخشاب السقف. بل إن هناك أربع غرف بالدور الأرضي، والمسجد وغرفتان في الدور العلوي تحتوي كل منهما على عمودين اثنين وذلك نظراً لاتساع أحجامهما. ولقد استغلت غرف القصر لوظائف واستخدامات متعددة، فمنه ما هو معد كمجالس لاستقبال الزوار والضيوف، ومنها ما هو معد للنوم، ومنها للمكاتب، ومنها ما هو خاص بخدمات القصر كالمطبخ والمخازن ونحوها.

أما تلك التي تبدو صغيرة الحجم وقريبة من مجلس الملك أو من المداخل الرئيسية فهي بمثابة مكاتب إدارية متعددة الاستخدامات في حين تتميز الغرف الخاصة للطبخ بآثار الدخان العالق بالأسقف والجدران، كما يمكن التمييز بين تلك الأقسام الخاصة بالرجال والأقسام الخاصة بالنساء، وذلك بمقارنة ارتفاعات جدران وشرفات الممرات التي تطل عليها الغرف، حيث يلاحظ أن الغرف الخاصة بالنساء تطل على ممرات مكشوفة لكن جدران تتجاوز طول قامة من يمر عبرها، وهذا لا شك يتجاوب أحد أهم المعايير الإسلامية التي تقوم عليها العمارة، وهو إيجاد الخصوصية الأسرية للسكان.

ويحتوي قصر الملك عبدالعزيز بالبديعة على خصائص معمارية تميزه عن الكثير من القصور داخل مدينة الرياض وخارجها، ومن أبرز هذه المميزات وجود مسجد خاص بسكان وضيوف القصر، وذلك في الدور الثاني جوار المجلس الرئيس للملك، ويبدو هذا المسجد مربع الشكل ويحمل سقفه عمودان اسطوانيان من الخرز، ترتكز على مثليهما من منتصف غرفة في الدور الأرضي تأخذ نفس حجم المسجد، إلا أن هذا الأخير له محراب مجوف يستند خارج المسجد على سارية مصمتة نصف دائرية تبرز من الأرض وكأنها امتداد طبيعي للمحراب. وإلى جانب هذا المسجد يقع المجلس الرئيس الكبير، ويتميز هذا المجلس ليس فقط بضخامة حجمه وجماله تكوينه.

وما يتميز به القصر كذلك وجود بئرين لتزويد سكانه ومرافقه بالمياه على الرغم من وجود القصر على مقربة من آبار المزرعة المبنى على حافتها، إذ يوجد في الزاوية الجنوبية الغربية من القسم الشمالي بئر (ركية) مطوية بالأحجار، وهي تشبه إلى حد كبير الآبار الخاصة بالمزارع إلا أن الماء في هذه الحالة يستخرج بواسطة الدلاء وليس بواسطة السواني، أما البئر الآخر فيوجد في الجهة الغربية من القسم الأوسط ويبدو صغير الحجم ويطلق عليه في هذه الحالة (حسو)، ولعل استخدامه من قبل خدم القصر يكون لأغراض عديدة من بينها ري الحيوانات التابعة للقصر، وركائب الضيوف والزوار.

العناصر المعمارية

- الشرفات: الوظيفة الأساسية للشرفات الخارجية هي حماية الأجزاء السفلية للحوائط من أضرار المطر، كما أن لها هدفا أساسيا وهو تجميل الحوائط العلوية.

- المثلثات المسننة: هي عبارة عن سلسلة من المثلثات المقلوبة المتساوية الساقين مرصوصة بجانب بعضها البعض بطريقة هندسية منتظمة، ولها هدفان رئيسان، الأول هدف وظيفي يتمثل بطرد الأمطار عن أجزاء الجدران الواقعة أسفلها، والثاني هدف تجميلي إذ يلاحظ أنه كلما كانت الواجهة رئيسية وقريبة من المدخل كلما زادت أفاريز هذه المثلثات.

- المرازيم: يحتوي القصر على عدد من المرازيم الخشبية الموزعة في نقاط معينة جهة ميول سطح القصر أو أسطح بعض وحداته، ومرازيم القصر معدة من خشب الأثل.

- الأعمدة: شيدت أعمدة القصر من نفس الأحجار المستخدمة في أساساته، وهي أحجار صخرية بيضاء تجلب من مقاطع معينة على ضفاف وادي حنيفة، ويتم تهذيب أحجار الأعمدة وتحويلها إلى أشكال اسطوانية منتظمة.

- السواكف: الساكف هو خشبة واحدة أو مجموعة أخشاب تربط بين نقطتين أو أكثر في المبنى، والسواكف تكون إما فوق فتحات الأبواب أو النوافذ أو على قنايع الأعمدة.

المجسات الأثرية

تم عمل سبعة مجسات يدوية في نقاط مختلفة داخل القصر وخارجه، وقد عملت بمجملها بجوار أساسات بعض الجدران أو الأعمدة. وعند تنفيذ هذه المجسات عملت بمقاسات موحدة، وذلك على شكل مستطيل بطول 100سم وعرض قدره 50سم من أساس الجدران المطمورة تحت الأرض، أما العمق فإنه يختلف من مجس إلى آخر، وذلك حسب عمق أساسات الجدران أو أساسات الأعمدة عن منسوب أرضية القصر، بحيث ينتهي عند الأرض البكر التي تقف عليها تلك الأساسات. ولقد تم اختيار هذه المجسات أو الخنادق السبعة في مواضيع متباينة من وحدات القصر وعناصره المعمارية، ومنه اثنان عملا تحت الجدران الخارجية للقصر، واثنان ملاصقان لجدارين داخليين، كما عمل مجسان جوار عمودين في موقعين مختلفين في القصر.

ويهدف تنفيذ هذه المجسات اليدوية وبهذه الطريقة الانتقائية إلى التعرف على أهم المظاهر الإنشائية والعمرانية لأساسات القصر وجدرانه ووحداته البنائية.

تعليق واحد
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


اشكركم على هذا المقال الرائع عن قصر البديعة لكن اود تصحيح اسم جدي الذي كان له شرف الحصول على ثقة الملك المؤسس بالاشراف على بناء القصور الملكية في تلك الحقبه من عمر مملكتنا الغالية فقد ورد اسمه في المقال(محمد القباع) والصحيح(حمد بن محمد القباع) شكراً جريدة الرياض ريادتها في مثل هذه المواضيع


محمد عبد الله القباع
ابلاغ
06:29 مساءً 2008/07/01


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى محليات

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | مركز المعلومات | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2009
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية