خيار ضرب إيران تحول إلى مناورة بين أمريكا وإسرائيل، فكل منهما يشحن بطاريات ويبثها بمختلف الدعايات، وحتى نقطع المسافة بين خط اليقين والتهويش، لا بد من وضع كافة الاحتمالات في سياقها الأمني للاقتصاد العالمي، إذ لأول مرة يبرز النفط كحاجز بين احتمال الضربة وايقافها، لأن أي عمل كهذا يضع أبعاد المغامرة فوق التصورات حتى مع فارق القوة بين من يهدد بالهجوم، ومن يرفع راية الدفاع إلى حدود الضربة الموجعة لوسط إسرائيل ومفاعلاتها النووية.
"السيناريوهات" الموضوعة خطيرة، وأي تدهور في أمن الخليج سوف يضع العالم أمام حشد من المفاجآت، فهذه المنطقة لا يمكن التلاعب بها وفق رغبات ما جرى في غزو العراق عندما نسجت تصورات تحولت إلى أكاذيب، ونحن هنا لا نقول إن إيران ليس لديها التصميم بامتلاك سلاح نووي ولعدم وجود طرف محايد يثبت أو ينفي هذه الأفكار ويبقى الموضوع معلقاً على ذمة الشكوك، وحتى في هذا الموقف، وسواء جاءت الإغراءات لإيران بتعويضات مادية واستراتيجية، فالبوادر تجعل القضية معلقة على ذمة ما سيحدث، لا ما يجري الآن ويضعه البعض في أسلوب المناورة الساخنة لثني إيران الاستمرار بمشروعها.
قطعاً إسرائيل، تدرك أن وجود سلاح نووي في المنطقة، حتى لو كانت الدولة منتجة هذا السلاح خاضعة بسياساتها لأمريكا، فهي لا تأمن أي تحولات في سلطات هذه البلدان من أن تندفع إلى مغامرة حرب نووية، باعتبارها لا تملك الرادع الأخلاقي ولا القانوني. لكن تنسى أن أول من صنع هذه السلاح واستخدمه، وأجبر العالم التسابق على امتلاكه هو أمريكا، وحتى مع القول إن العالم لا تحكمه القوانين الأخلاقية، بل مبادئ القوة فإيران زمن الشاه كانت من أوائل الدول التي كانت تحظى من أمريكا بأن تمتلك هذا السلاح مدفوعة بأن تكون خط دفاع أول ضد الاتحاد السوفياتي، لكن الأحداث قلبت التصورات فصارت الثقة بأي نظام لا يرتكز إلى قواعد نظام ديموقراطي، يجب أن توقفه قوانين القوة عن حيازة هذا السلاح، والاستثناء الوحيد إسرائيل التي تعاون الغرب الأوروبي والأمريكي إدخالها هذا النادي الخطير.
دول المنطقة، خليجية أو آسيوية أخرى ليس من مصلحتها انتشار هذه القوة، وإلا اضطرت معظمها إلى الدخول في سباق مع إيران، وهنا سندخل في حسابات المخاطر الأكبر، لكن السيناريو الآخر لا يفترض الضربة، ولا من يهددون بها، وإنما مقايضة ذلك بتحالف تدور حواراته وأسراره تحت طاولة هذه البلدان، وربما تكون النتائج عكس التصورات والتوقعات إذا ما وجدنا شركاء الأمس يعودون إلى صياغة اتفاقات تآخٍ بين الأعداء على مبدأ المصالح المشتركة، حتى لو لم يوجد العدو المشترك أو المفترض مثلما كان الاتحاد السوفياتي.
دول المنطقة عليها أن تفهم أن لا ثوابت بالسياسة، وأن الثقة بدولة صديقة أو عدوة تخضع لمجمل المصالح الآني منها والبعيد، ومثلما تنازلت أمريكا عن الشاه ونظامه فهي قد تتقارب مع من تعتبرهم أعداءها ولا يحتاج الأمر إلا لابتسامات تتبعها تواقيع على اتفاقات المصالح قد لا تكون لصالحنا ولا غيرنا.