الجريمة والعقاب...
د. مطلق سعود المطيري
أرادت البنت أن ترى أمها فمنعها الأب، وحين علم أنها رأت أمها قتلها بلا رحمة.. هذه هي الجريمة، وهذا هو العقاب..
الجريمة أن نداءً للدم الواحد المقسم على شرايين الأم والابنة غلب صلف رجل لا تربطه بالأم صلة، وأن البنت قد شربت حتى شبعت من صدر أمها حين كانت في حضنها لا شيء غيره يشعرها بالأمان..
الجريمة أن الفتاة بنت، نسيت أنها حفيدة جدة موعودة في زمن قديم والعقاب تذكره بتاريخ كاد أن ينسى، واختزال للعصور لوصل الحاضر الرائع بالماضي الجاهلي ورد الجسد الغض الى حيث رفاة الراقدات تحت غبار السنين..
فتاة ابتلعت خمسين قرصاً من البنادول حين فشلت في اقناع الرجل بحقها في التعليم، وفتاة اخترقت بطنها عصا المكنسة بيد والدها الذي حاول ان يسويها بالأرض حية تحت عجلات سيارته وما تزال خطيئة البنت مجهولة الا انها كانت في سن البراءة لا تعرف ولا تفهم ولا تتصور غير كونها منذورة للموت..
فتاة تهرب، فتحترق داخل السيارة، وأخرى تختفي الى المقابر، واسماء جديدة تضاف الى قائمة لا تتسع لخط بالقلم يعلن نهايتها: الطفلة شرعاء والطفلة غصون والطفلة أريج وروان وبلقيس ورهف ونادية.. وعالم الحياة فيه أقسى من حياة الوحوش، جرائم براءة وعقاب ذوي الأرحام!
خارج هذا السياق كله، الذي لا ينجو من يتأمله من مس الجنون، اطلق المجتمع على هذه البشاعة مصطلحه المواسي للقلب حتى لا يقفز من الصدر، والمريح للدماغ حتى لا تنفجر "جرائم العنف الأسري"! هكذا؟ المسألة لا تتعدى ان تكون "عنفاً أسرياً"؟ وكأنها ظاهرة طبيعية في أي مجتمع ليس لها أي دلالة أخرى!
هذه رؤية وجدانية للأمر، غير أنه في حالات تتجاوز كل حدود المنطق والعقل، من نقيض الرحمة والعطف إلى نقيض القسوة والعنف، لا يستطيع المرء أن يجنب عواطفه ليرى الأمور بعقلانية خالصة قد تقوده إلى القول بأن هذه حالات فردية يمكن ان نجد شبيهاً لها حتى في أكثر الدول تقدماً، وبأن هذه الحالات لم تطفُ إلى السطح إلا لأن المجتمع السعودي قد تغير كثيراً مما أبرز بشدة ظواهر كانت تتوه وسط اضطراب الحياة وبداوتها في السابق، فإذا سلمنا بهذا كله بقيت تلك الحالات مؤشراً إلى خلل - مهما قل قدره - بين رقي الحياة وتطورها وبين استجابة الإنسان وتجاوبه، وما أعنيه ان الحياة التي هيأت للفتاة كل حقوقها في التعليم وفي العمل وفي علاقاتها والاجتماعية، لم تدفع بالمقابل بالطرف الآخر - الرجل - الى نفس المستوى من القناعات والفكر والسلوك، وفي مقدمة هذه القناعات ان يكون على يقين - إذا تعامل مع المرأة سواء كانت أماً أو ابنة أو أختاً أو غريبة - بأنه يتعامل مع كيان إنساني له كل الاعتبارات المساوية لوجوده الإنساني كرجل فلا يجوز ان تمتد إليه يد بحال، كيان له وعيه وثقافته، يستطيع ان يسمع ويستوعب ويقتنع، أو أن يتكلم ويدافع ويقنع.
في وضع كهذا قد لا يصبح مجدياً ما سمعناه من مطالبات بإنشاء جمعيات لرعاية المرأة، كيف ستعرف تلك الجمعيات با يدور في الخفاء؟ وإنما الأجدى ان تتبنى دعوة إلى "تعليم الرجل" معادلة لدعوتنا الدائمة إلى "تعليم البنات"، فمن الواضح ان الفتاة التي افادت من التعليم قد أصبحت تتحلى بالصبر حتى تموت، وان الرجل - بعض الرجال - ما زال يمضغ عجزه عن الاستجابة، وما زال يستعرض قوته وجبروته بجبن، في خفاء بعيداً عن أي عين تراه.