شاورهم.. خذ من عقولهم
"لا تصدّقهم حين يقولون بأن السعادة في تحقيق الأحلام.. فقد تصاب بالإحباط.. حين تكتشف كم كان حلمك رخيصاً..!".
متفرد.. لم يكن يثق إلا برأيه.. يحكّم رأيه دون مشورة الآخرين.. ومن ثم يندب حظه.. لم يؤمن يوماً - رغم كثرة مصائبه - بأن الأخذ من عقول الرجال.. رأي يستحق فعلاً.. التجربة.
اشترى البيت.. بيت الأحلام.. في تلك الزاوية الشرقية القصية.. من مدينة الرياض.. دفع ال 800.000ريال.. وهو يبتسم من مرأى عقاره.. وتشطيبه الرائع.. على الأقل ظاهرياً.. دفع العربون.. وأكمل الباقي لدى كاتب العدل.. مممممم.. سنوات عمله.. لم تضع هباءً.. من قال بأن البيت.. مملكة المرأة.. لوحدها..!
تجمع الأصدقاء والأقارب.. عندما أولم لهم.. ولأن مشاعره.. بالغة الحدية.. فقد استاء عندما.. أخبره أحدهم بأن سعر الفلة لا يستحق هذا السعر إطلاقاً.. الحسد.. هكذا.. فسّر الحدث..!
بعد مرور 8أشهر تقريباً.. أمعن النظر جيداً.. في أسعار البيوت القريبة منه.. زار المكاتب العقارية المحيطة بالحي.. تيقن بعدما أخبره أخوه العقاري الضليع عن السعر العادل للفلة.. بأن الأمر.. لا يعدو كونه غبناً واضحاً وزيادة 200.000ريال على القيمة الأصلية لعقار مثله..!
أقام الدعوى.. بعدما كيّفها العارفون بال (الغبن).. مضت الجلسات.. دفع البائع.. بمضي المدة.. والذي يعتبر قربان الرضا.. واستند بشكل بالغ الذكاء إلى دفع ذكي لنظرية الاستغلال في القانون المدني.. فالعقار بحكم قربه من عمل المشتري وأهله أوجد لديه الرغبة الشديدة في شراؤه.. هذه القيمة الشخصية إذاً هي الأس الحقيقي لقيمة العقار والذي جعله يبتاع البيت بهذا السعر دونما مفاصلة.. ثم إن سكوته الطويل دليل رضاه..!
صدور الحكم من المحكمة العامة.. كقضاء درجة أولى.. ثم تصديقه من محكمة التمييز.. يجعل أمامنا نقاطاً.. يجب أن تثار.. ونحن على أبواب محاكم متخصصة.. بلا تقنين:
@ يجب أن يتضمن مشروع فقه المعاملات (القانون المدني) توصيفاً واضحاً لحالات التدليس والغبن في عقود المنقول والعقار بشكل.. يقف اجتهاد القاضي أمامها.. إعمالاً لنص القانون.. مثلاً جاء في القانون المدني الإماراتي مادة (188): (الغبن الفاحش في العقار وغيره هو ما لا يدخل تحت تقويم المقومين).
@ الدقة.. هي الجزئية التي ما زالت عائمة في مثل هذه القضايا.. فمتى يعتبر الغبن متسامحاً فيه.. بحيث لا يحتمل الأمر التأويل.. بحيث ييّسر القانون للقاضي تضييق الدائرة التي يطبق فيها الاستغلال.. عبر اقتصار النص القانوني على حالات معيّنة.. مثلاً جاء في المادة (1/129) من القانون المدني المصري: (إذا كانت التزامات أحد المتعاقدين لا تتعادل البتة مع ما حصل عليه هذا المتعاقد من فائدة بموجب العقد أو مع التزامات المتعاقد الآخر وتبين أن المتعاقد المغبون لم يبرم العقد إلا لأن المتعاقد الآخر قد استغل فيه طيشاً بيناً أو هوى جامحاً، جاز للقاضي بناء على طلب المتعاقد المغبون أن يبطل العقد أو ينقص التزامات هذا المتعاقد).
@ المدة.. فمتى ينعقد الرضا.. بمضي مدة.. تعتبر رضاً بالمبيع رغم عيبه.. هذه الإشكالية.. تتنوع تطبيقاتها القضائية.. دونما حل وسط ينتظم عقدها.. ويواجه هذه المعضلة بنص صريح يهتدي به القضاء لكثرة وقوع مثل هذه المسائل في البيوع العقارية.. بدلاً من الالتجاء إلى العشوائية في الأحكام.. جاء في المادة (2/129) من القانون المدني المصري: (يجب أن ترفع الدعوى بالغبن خلال سنة من تاريخ العقد، وإلا كانت غير مقبولة).
ميزة القانون.. المنظّم.. المقنن.. والمبادئ القضائية المعلنة.. أنها تضع خطوطاً بارزة.. لحماية الطرف الضعيف في بيوع تزداد غموضاً.. وتدليساً..!
@ الباحث في أنظمة العقار
oalessa@alriyadh.com