انتهى العام الدراسي ومعه سوف تغلق حضانة وروضة أطفالي نهائياً. ميزات لا تتكرر ولا أدري لماذا هي استثنائية أن توجد روضة جيدة تدرس العربية والانجليزية والفرنسية وتدرس القرآن والرياضيات وتفتح أبوابها للأطفال من سن شهرين وحتى الخامسة من الساعة السابعة والنصف وحتى الثامنة مساء وبأقساط معقولة. لماذا هي مواصفات مستحيلة في مدينة تعج بالأمهات والأطفال والأعمال والكليات والمعاهد والمستشفيات والبنوك؟ وكيف يمكن التوفيق ما بين فكرتي تعزيز دور الأم والمحافظة على الأسرة في ظل تشجيع إبقاء الأطفال في المنازل مع العاملات والمربيات؟ وكيف يمكن للمرأة العاملة التوفيق ما بين عملها وبين توفير بيئة آمنة وسليمة وتربوية لأبنائها طيلة فترة غيابها؟ لا أدري من الذي يحدد مواعيد دوام الروضات المحدودة الموجودة لدينا والتي تمتد ما بين السابعة والنصف والثانية عشرة أو الواحدة ظهراً، أو من الذي يحدد مواعيد انتهاء دوام الروضات السنوي حيث إنها تغلق أبوابها قبل بدء اختبارات المدارس والجامعات النهائية، فالأم العاملة أو غير العاملة ممن لديها أطفال في سن المدارس أو الجامعات لن تجد مكاناً يؤوي أطفالها فترة غيابها في العمل أو يشغل أطفال الروضة عن إخوتهم ممن يراجعون لاختباراتهم النهائية.
قرارات كثيرة لا أدري من المسؤول عنها وآمل أن لا تكون من القضايا التي سوف يستغرق حلها جيل أو أجيال قادمة.
الروضات الحكومية محدودة وهي تئن تحت وطأة المواعيد السابق ذكرها والتي لا تتناسب بأي شكل من الأشكال مع التغيرات التي يشهدها المجتمع أو مع حاجة نسائه من العاملات بالدرجة الأولى، فهي مجهزة لتناسب معلمات المرحلة الابتدائية فقط.
والروضات الخاصة منتشرة بشكل أو بآخر ولكن عدد محدود منها تمتد مواعيد دوامه لما بعد الواحدة ظهراً، وغالبها يدرس الانجليزية فقط، والأكثر تميزاً تصل أقساطها السنوية إلى 55ألف ريال، فهل نحن أمام عملية احتكار للتعليم الجيد والراقي.
وفي إشارة سريعة إلى تجارب الدول المتقدمة في الحضانات الحكومية أذكر فرنسا على سبيل المثال التي توفر حضانة أو (كريش Crڈche) مجانية في كل حي، ليس للفرنسيين فحسب بل لكل من سكن ذلك الحي دون أي مقابل. وتمتد مواعيدها من الثامنة صباحاً وحتى السادسة مساء مما يتناسب مع مواعيد عمل النساء في أي قطاع. وهناك نظام مشابه في ألمانيا. وفي دراسة حول تمكين المرأة في المجتمع ورفع درجة مشاركتها فيه أجريت مقارنة بين عدد من الدول في درجة المشاركة وعلاقة ذلك بمدى توفر حضانات وروضات وساعات توفرها وتكلفتها. وقد وجد أن الدول الاسكندنافية ولاسيما السويد تسجل أعلى نسبة مشاركة اقتصادية وتنموية للمرأة وتتناسب الأرقام طردياً مع ساعات دوام الروضات وتوفرها في كافة المدن والقرى والتي تمتد إلى الساعة السابعة مساء.
وفي مرحلتنا التنموية المبكرة لمشاركة المرأة ينبغي أن يحصل موضوع مراكز الطفولة المبكرة على اهتمام أكبر من المؤسسات التعليمية المختلفة لاسيما وزارة المعارف المكلفة رسمياً بأن توفر حضانات ورياض أطفال حكومية على أعلى المستويات تغطي احتياجات المجتمع السعودي النامي والذي يعيش فورة سكانية تجعل عدد الأطفال فيه كبيراً جداً وفي تنامٍ، وأهمية تأهيلهم منذ سن مبكرة أكثر أهمية، وتدارك هذا الأمر منذ هذا السن أفضل من محاولة ترقيع ما أفسده الدهر في المراحل الجامعية. وإذا كنا ننبذ تأثير الخدم على مجتمعنا فمن الأفضل الاستثمار في هذه المؤسسات لتقديم خدمة تتوافق مع احتياجاتنا المتنوعة وتوفير فرص عمل لخريجات قسم رياض الأطفال اللاتي يتضاعف عددهن سنوياً دون أن يُستفاد من قدراتهن أو مهاراتهن. مع العلم بأن المادة 159من نظام العمل يلزم صاحب العمل التي يعمل فيها أكثر من خمسين عاملة بتوفيرمكان مهيأ لحضانة أطفال العاملات والتي يتجاوز العاملات فيها المائة أن يُلزم صاحب العمل بإنشاء دار لحضانة أطفال العاملات. ولكن كما نعلم فإن هذه القوانين حبر على ورق ولا أدري ما موقف وزارة العمل منها، ابتداء من المدارس الحكومية نفسها التي لا توفر هذه الخدمة بشكل يتوافق مع احتياجات موظفاتها.
الاستثمار في كل فرد هو تحدينا لمواجهة المستقبل. أما ترك المسألة للمقتدرين فهذا يوسع الفجوة بين الطبقات والمستويات والقدرات والمؤهلات وبين الحق في تساوي الفرص.
@ مؤرخة وكاتبة سعودية