بحث



الأحد25 جمادى الآخر 1429هـ -29 يونيو2008م - العدد 14615

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


النهوض العربي والخطر

منح الصلح
    حتى الآن يبقى ما يجري في منطقة فلسطين التاريخية على يد اسرائيل هو الاخطر على مشروع النهوض العربي، فاذا استطاعت اسرائيل ان تعطل قيام وطن فلسطيني سيد حر، فان لذلك مفاعيله على مجمل المنطقة العربية. لا يمكن القول حتى الآن ان دولة فلسطينية بالمعنى الصحيح هي على الطريق. هناك الشعب الفلسطيني بالتأكيد، ولكن مشروع وطن هذا الشعب لم يتجسد بعد في حقيقة رسمية ومؤثرة ايجابياً بالحياة العربية. من هنا ضرورة دعم فتح وحماس بكل الوسائل، لكي يبقى الشعب الفلسطيني حقيقة مؤثرة، حتى بغياب الوطن الفلسطيني الحر الموحد.

السؤال الذي تطرحه اليوم شعوب الامة على نفسها، الى اي حد تستطيع المنطقة العربية المضي في ان تتحمل دون مضاعفات خطيرة، نتائج وجود دولة اسرائيلية قوية وعصرية، في مقابل غياب اي كيان فلسطيني موحّد يمثل بجدية كل طاقات الشعب الفلسطيني.

عدم النجاح في ذلك هو الفراغ المؤذي لكل الامة، بل هو التهديد لأي طريق عربي للحياة الكريمة كما كاد يحصل في لبنان، انطلاقاً من مضاعفات وشرور في مخيم نهر البارد، لولا صحوة المسؤولين اللبنانيين الانقاذية التي انقذت لبنان وانقذت شعب فلسطين.

اذا لم يكن العرب قادرين بحكم مرور الزمن وتوازن القوى وحقائق الارض على استرداد ارض فلسطين جغرافياً كما عرفها وعاشها الآباء والاجداد وطناً لهم، فلا عذر بأن لا يكونوا قادرين على توحيد كل الفلسطينيين سياسياً ووطنياً. فالعنوان الانسب لنضالهم الآن والاكثر ضرورة هو وحدة الشعب الفلسطيني.

صحيح ان التطورات البشرية والسياسية والاقتصادية وتوازنات القوى والارادات الدولية لم تعد تسمح للفلسطينيين بدولة سيادية جامعة واحدة على كل الارض المعروفة تاريخياً باسم فلسطين، الا ان ذلك يوجب عليهم أكثر فأكثر أن يتشبثوا بالمصير الواحد لكل شعب فلسطين، حيثما كان مكانه وعمله في فلسطين التاريخية كلها وخارجها.

ان الفلسطينيين هم شعب متكامل وواحد، ولهذا الشعب مبدئياً هويته التي هي المرجع.

نقول هذا الكلام لنؤكد على ان الفلسطيني مرتبط أولاً وقبل أي شيء بأخوته مع الفلسطيني الآخر التي تشكل هوية له ربما اكثر من ارتباطه بالارض التي هو عليها أو كان.

فالفلسطيني في غزة والفلسطيني في رام الله والفلسطيني حيثما كان هو صاحب هوية واحدة، الكل من بني قومه حريص عليها او يجب ان يكون. نقول هذا الكلام وفي الذهن اولوية بل قدسية الرابطة الفلسطينية عند اهلها، التي لا تقبل ان تمس في اي ظرف.

واذا كان هناك من العرب او غيرهم من لم يدرك حتى الآن هذه الحقيقة، ولم يأخذ القرار بالتصرف مع الفلسطينيين والكرامة العربية الفلسطينية من هذا المنطلق، فقد ضل سبيلاً، بعلم منه او غير علم.

كلنا يذكر تلك الوقفة التي وقفها الرئيس الاميركي جورج بوش في القدس يتكلم عن اسرائيل وكأنه يدللها، مقترحاً عليها من موقع النصيحة والحب ان تنعت نفسها بالدولة اليهودية بدلاً من الصهيونية. الكثيرون رأوا في ذلك غيرة حقيقية على اسرائيل، من موقع الاعتقاد بأن الصهيونية هي حركة عنصرية مرفوضة مبدئياً من كثيرين على اقل تقدير. اما اليهودية، فهي دين معترف به في اديان الاخرين من مسيحيين ومسلمين، ولعل ذلك يوجد للمغتصبين مكاناً عند اهل البلاد الحقيقيين.

بالنسبة الى العرب، الموقف من اسرائيل يبقى هو هو، ونصيحتهم الى الرئيس الفلسطيني محمود عباس (ابي مازن) او رئيس الوزراء اسماعيل هنية ان يحدثاهم بما يهمهم فعلاً، وهو تحقيق اللحمة بين غزة ورام الله، الامر الذي فيه مصلحة الفلسطينيين ومصلحة العرب.

ما من عربي جدي، فلسطيني وغير فلسطيني، الا ويرى في تضامن هاتين الجهتين الفلسطينيتين خطوة الى الامام. ففي غياب التواصل الجغرافي الذي يعطله وجود الاسرائيليين، ينبغي ألاّ يسلّم الفلسطينيون مطلقاً لما يمكن ان يوحي بأنهم شعبان او وطنان.

فضلاً عن ان العرب يحتاجون كثيراً، كالفلسطينيين، الى مد اليد الى فلسطين موحدة مع ما يطلقه ذلك من رفع معنويات في معظم الدول العربية التي كانت ترى دائماً في العطاء لقضية فلسطين، تقرباً منها لمشاعر شعوبها ومكانة ودوراً في المجال العالمي.

انه النوع الوحيد المتاح لضخ التضامن العربي بروح ونهج يرتدان بالخير على العلاقات العربية العربية وعلاقات الحكومات بالشعوب.

لقد تراجع المشروع القومي العربي في كل مكان تراجعاً كبيراً، بل هو مهدد بالتفتت نفسه الذي اصيب به الشعب الفلسطيني بقيام محاور على ارض فلسطين. اذ لا احد يستطيع ان ينكر أنه ما امكن الفصل في الحقيقة، في اي مرحلة من المراحل، بين حركة القومية العربية والقضية الفلسطينية. والى حد ما صدق المؤرخ البريطاني اللبناني الاصل البرت حوراني حين قال ان حركة القومية العربية ولدت مرتين؛ مرة لمواجهة الحكم التركي وثانية لمقاومة المشروع الصهيوني. والعكس صحيح، فالمشروع الصهيوني ولد يهودياً ودولياً الى حد بعيد لمقاومة القومية العربية والنهوض العربي. ان هذه الضدية بين المشروعين التاريخيين القومي العربي والصهيوني اليهودي، جديرة بأن تلفت العرب وليس الفلسطينيين وحدهم، الى خطورة التناحر الفتحي الحماسي الدائر اليوم وآثاره على مجمل الوضع العربي والحلم العربي السياسي والحضاري في الوقت نفسه.

ان الامة العربية صاحية، ولله الحمد، على خطورة ما يجري على الساحة الفلسطينية، وخاصة السعودية ومصر. فالكل يذكر مؤتمر مكة المكرمة الذي دعا اليه الملك عبدالله بن عبد العزيز، كما يذكر الجميع جهود مصر والرئيس حسني مبارك في المتابعة الدائمة لتطورات الاحوال الفلسطينية ولاسيما اوضاع حصار غزة، فهاتان المرجعيتان العربيتان تتعاملان مع القضية الفلسطينية بصفتها القضية العربية والاسلامية، بل والمسيحية أيضاً رقم واحد.

وإذا كان العرب غير قادرين الآن على تحرير الوطن الفلسطيني من الاحتلال والمصادرة الصهيونية، فان هذا ينبغي الا يصرفهم عن التعامل مع الفلسطينيين على انهم شعب هذا الوطن الواحد، والاهم الا يتخلى الفلسطينيون انفسهم عن شعورهم بأنهم شعب واحد له وطن واحد. بل والاهم الاهم ألا يخطر على بال اي عربي ان يعتقد ان التخلي عن قضية فلسطين يرفع عبئاً عن كاهل الامة. فالصحيح هو العكس، اذ ان التخلي عن قضية الفلسطينيين يضعف كل الامة حيثما تكون، وما المشروع الصهيوني في الجوهر الا مدرسة داخل الاستعمار الغربي تقوم على ان يطلب اصحابها كل شيء من امة واحدة بعينها، هي الامة العربية.

ان الانفصام بين حركة التحرر العربي والنضال ضد الصهيونية ومشروعها في فلسطين هو نقطة التقاء بين اليهودية المتصهينة وكل من له مصلحة في تناحر العرب. وقد برهن العرب عن سداد حسهم الفطري وغير الفطري في فهم ذلك.

فقد كادت حركة التحرر العربي في فترة طويلة من الزمن ان تصبح مخيفة لكل اعداء العرب وغير العرب من الشعوب المطالبة بحقوقها المهضومة.

هناك فلسطين التاريخية كما ترسمها كتب الجغرافية القديمة، والتي احتلتها الحركة الصهيونية بمعونة الانتداب البريطاني بشكل شبه كامل، ان لم يكن كاملاً، لتحولها الى اسرائيل الحالية. وهناك بعض فلسطين السياسية الحالية المعترف لها بأنها عربية بشكل أو آخر، وهي مؤلفة من غزة والقطاع.

لقد نجحت ارادة اقوياء العالم وظروف دولية قاسية ونزعة العداء للعرب والمسلمين والمسيحيين الشرقيين في الغاء وطن اسمه الوطن الفلسطيني في واحدة من اكبر جرائم التاريخ، ولكن الشعب الفلسطيني لا يزال حقيقة حية مناضلة في فلسطين وغير فلسطين. ففي غزة والقدس والقطاع وفي كل بقعة على ارض فلسطين وخارجه، تبقى الهوية الفلسطينية واضحة مكافحة.

والتحدي القائم امام الفلسطينيين هو ان يكون الفلسطيني ذاته دائماً وان ينعكس ذلك على السياسة وعلى المستوى الوطني والفلسطيني من خلال احزابه التي من خلالها يبرز ادارته. وتلعب فتح وحماس هذا الدور بكفاءة عالية.

لقد كان الوطن الفلسطيني والقضية الفلسطينية، اساساً في القومية العربية والنهضة العربية. وكل زعامة عربية او دولة عربية يستحيل ان تأخذ وهجاً عربياً ودولياً جدياً دون ان تكون موصولة بالقضية الفلسطينية.

فأي حديث عن القضية العربية او القومية العربية دون تطرق لمصير فلسطين والقضية الفلسطينية يبقى مبتوراً.

لقد كانت هناك دائماً مرجعيات فلسطينية، كالحاج امين الحسيني مثلاً، في فترة من الفترات، وياسر عرفات في فترة اخرى يعود اليها الزعماء العرب والدول العربية لدعم السياسات القومية. ذلك ان التجارب علمت الساسة العرب والدول العربية ان لا الحديث عن الوحدة العربية ولا الحديث عن مقاومة الاستعمار يغنيان عن وهج نجاح او تقدم يتحقق داخل القضية الفلسطينية.

فعندما قامت في فلسطين مرجعية مطاعة ايام ابي عمار والشيخ محمد ياسين وجورج حبش، كان الحاكم في القاهرة او في بغداد او في سوريا ولبنان يتصل بالزعيم الفلسطيني ليأخذ الوهج والصدق لسياسته.

الآن خفتت المصابيح المشعة مشددة العزائم للرؤساء ومتخذي القرارات، ولم يعد هناك في المركز الفلسطيني مرجع مشع واحد اذا افتى، فالقيادات تطمئن وتمضي في الطريق المستقيم.

كان عبد الناصر بعد جس نبض الفلسطينيين يتخذ القرار، لأنه يكون عرف رأي الشعب الفلسطيني في الموضوع. أما الآن فمن تراه يسأل الحاكم العربي اذا اراد السؤال؟ وهل هناك ازمة قيادة فلسطينية قادرة على نصح القادة العرب اذا ارادوا السؤال؟ من هنا ضرورة التأكيد على ضرورة الرجوع لحماس وفتح معاً اذا اراد القائد العربي غير الفلسطيني الا يخطئ، بل يسير على بركات الله في قراره العربي بعد ان يكون اطلع على الرأي الفلسطيني. فالرأي العربي وحده قد لا يكون كافياً في زمن يخشى فيه الفلسطينيون غدرات الزمان من حيث يقدرون او لا يقدرون.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية