تعودنا في مراحل مختلفة من التاريخ العربي الحديث أن يأتي التدخل من دولة لأخرى بشؤونها الداخلية ينطبق عليه فرضية الدولة الأهم والأقوى لمن هي أدنى وأصغر، لكن ما بعد حرب 1967م سقطت الأقنعة عندما تساوت الدول العربية في عضوية الجامعة العربية، وحقها الثابت في استقلالها وحرية قرارها، إلا أن صدام حسين بغزوه الكويت أعاد مفهوم "البسماركية" بالضم التعسفي، وقد كانت بدايات سقوط نظامه، ثم نهايته..
تجارب التاريخ أثبتت أن استعمال القوة قد ينجح مؤقتاً، ولكن لا يستطيع الاستمرار طالما هناك من يملك صلابة الإرادة والتصميم على الكفاح، والفلسطينيون الذين حاولت إسرائيل نفي وجودهم ووضعهم في لائحة الشعوب البائدة، أو المبادة، كافحوا خلال نصف قرن بكل الوسائل، حتى بوجود ما يزيد على مائة وخمسين قنبلة نووية تملكها، ومع استعمال القوة بأشكالها المختلفة بما في ذلك نهب الأرض والتمدد عليها ببناء المستوطنات..
المملكة طرحت مشروع قرار لمجلس الأمن يدين الاستيطان ويطالب بإيقافه، وهذه المواجهة ليست الأولى مع إسرائيل على المستويات العربية والإسلامية، ولم يكن تدخلها عندما حاولت جمع أفرقاء الفلسطينيين واللبنانيين والسودانيين والصوماليين، ودعم المجهود الحربي، ومحاولة حل مشكلة الصحراء بين المغرب والجزائر، وحتى بين الأفغان، ان سعت للبحث عن مجد شخصي، أو انها وصية على الآخرين، وهي التي نأت بنفسها عن تجيير الخلافات إلى عداوات وقطيعة حتى لمن حاولوا الإساءة لها..
فالقرار لو نجح، فإنه مكسب للقضية والأمة العربية، وتحول في الرأي العام العالمي، وحتى في حال اتخاذ أمركيا قرار "الفيتو" فإن الصوت وصل إلى العالم، والأمر في كلتا الحالتين مهم، لأن الصمت على تعديات إسرائيل واستمرارها، لا بد أن يقابله تحرك مضاد ينطلق من بدهية الحقوق الفلسطينية التي كفلها القانون الدولي، وكل الأنظمة والشرائع الأخرى..
وإذا كانت الشهور الماضية شهدت حضوراً للقضية الفلسطينية، أمريكياً وأوروبياً، وأن روسيا أيضاً دخلت خط المساهمة بعقد مؤتمر سلام، فالموضوع لا يتعلق بدوريات مستمرة للانعقاد، وإنما بإيجاد الحلول لأعقد وأطول قضية عالمية، تسببت في حروب ومقاطعات ودخول وخروج قوى عظمى، وقيام انقلابات أسقطت سلطات شرعية وقد نجحنا في القضايا الجزئية ورسبنا بالأجزاء الكلية، وطبيعي أن المعركة طويلة ومستمرة، ومن هنا يأتي التساؤل لماذا المملكة، في مختلف الظروف تحاول أن تكون فاعلة، لا متدخلة لمصالح خاصة بها، وهي التي تعلم حساسيات السياسة العربية وتنافرها أكثر من تقابلها؟
طبيعي أن تكون الجهود مفتوحة، إذا كنا ننظر للأمة العربية، حتى في أسوأ حالاتها، أنها جسد بأعضاء متعددة، وهذه العضوية فرضت على المملكة أن تقوم بواجباتها انطلاقاً من مبدأ المسؤولية التامة، وهو فرض عين، لا فرض كفاية، وفق القاعدة الفقهية.
صحيح أن القضية الفلسطينية، خسرت في بعض التدخلات، لكنها تبقى الأهمية التي لا تسمح الأخلاق العربية التلاعب أو المزايدة على مصيرها، وبالتالي فإن يتحول مجلس الأمن إلى صانع حل ولو نسبي، فإن قوة الأداء للسياسة العربية ستكون جيدة، ومثل هذا الجهد والمساعي ضرورية، لأن الصمت جزء من الهزيمة واستمرار الخسائر المادية والمعنوية.