د. فايز بن عبد الله الشهري
تبدو الإجازة المدرسيّة هذا العام طويلة بعض الشيء وحينما ينتهي موسمها ويؤوب المصطافون من مناطق الهجرة الداخلية والخارجية سيواجه كل منّا كشف حسابه السنوي. وقد يبدأ بحساب المصاريف (المادية) ناسيا بعدا مهما آخر وهو تفحص الخسائر (المعنوية) التي قد يتعرّض لها المجتمع جراء انحراف الأبناء وحتى بعض أفراد الأسرة. مناظر تتكرّر سنويا في عواصم الاصطياف بل وتكاد تكون سمة سعودية منها أن تجد أسرا يبدو أنها قررت واطمأنت إلى أن تتحرك كل يوم إلى جهة في حين تترك الأبناء يقصدون جهات أخرى دون توجيه أو متابعة. والنتيجة المؤكدة هنا هي استيراد الجديد وتطوير القديم من أصناف السلوك الشاذ ليشكّل ذلك كله مزيدا من التحدي أمام كل مؤسسات المجتمع بقيّة العام.
@ هل مثل هذا الكلام مجد في زمن تردّت فيه ادوار الأسرة؟
-أيضا ربما لم يعد مجديا تكرار الحديث عن نمط "أطفال شوارع" يظهرون في الصيف أو بمعنى آخر أطفال ومراهقين تتركهم أسرهم مهملين "سائبين" في شوارع المدن ونواصي الأحياء طوال ليالي الصيف حتى مطلع الشمس. عليه فلا غرابة لما يحدث بعد ذلك فمن هؤلاء ولأجلهم تطول قوائم المودعين في مراكز الأحداث كل عام. نعم نسمع كثيرا ونتناقش كل يوم عن الثمرات المرّة لعدم إدراك مسؤولية الأسرة خاصة في ظل الإحصائيات التي تكشف عن تزايد جرائم المراهقين ومن ثم خسارة الأسرة والوطن لمجاميع من الشباب يُخشى أن تزيد أعدادهم (بطالة) في كل عام عمّا سبقه .. قد يقول قائل أن هذه ربما مظاهر اعتدناها، ولكن ألا يحسن بنا الحديث عن طرف المعادلة الآخر فكما أن هناك مفرطين نجد أسرا تحوّل البيوت إلى معسكرات اعتقال أو أخرى ترى الصيف إعلان لحالة طوارئ أخلاقية فتجدهم يمنعون الأبناء المراهقين من الخروج ويفرضون عليهم العزلة المنزلية ثم يتركونهم ساعات الليل ومعظم ساعات النهار "مدمنين" لما تعرضه شاشات الانترنت أمامهم "هائمين" في عوالمها متأثرين مندمجين مع محتواها "الرهيب" الذي لا قِبل لهم بفهم كل دخائله.
ولفهم هذه الشريحة تقول الدراسات أن تناقضات سن المراهقة تبدأ مع محاولات المراهق إثبات ذاته كمقدمة للانعتاق من مرحلة الطفولة وسلطة الأسرة إلى مرحلة أخرى ومن اجل ذلك تضطرب لديه كثير من المفاهيم خاصة مفهوم الحرية والسلطة. ومن هذا الباب تأتي خطورة المحتوى السلبي لشبكة الانترنت سواء لجهة العبث بفكر هذا المراهق وتزيين أعماله المنحرفة، أو دفعه للتواصل مع رفاق جدد من خلال برامج "الشات" "والمنتديات"، ومن ثم الانخراط كنتيجة طبيعية في منظومات فكريّة قد تقوده إلى "مهاوي" الانحراف الفكري أو السقوط الأخلاقي خاصة إذا غاب المرشد (الأسري) الحكيم وتاه معه دور التفاعل (الاجتماعي) المسؤول.
وكما هو معلوم من الدراسات العلمية فان من أوضح الخصائص النفسية لمن وصلوا إلى مرحلة إدمان الانترنت أنهم أكثر عرضة للعزلة الاجتماعية ، ويتسمون بكثير من مظاهر الإنطوائية ، علاوة على ظهور بعض الأعراض الجسمانية عليهم، وبالنتيجة يصل الحال بصاحبه إلى تدهور المستوى الدراسي ، وكثرة الخلافات الأسرية إضافة إلى قلة ساعات النوم . وقد قدّرت دارسات أمريكية أن واحدا من كل أربعة مراهقين ممن يستخدمون الانترنت التقوا بشخص تعرفوا عليه من خلال الانترنت. ولعل هذا يفسر كيف انفتحت أبواب الفتن لاستقطاب وإغواء المراهقين الذين باتت الانترنت متنفسهم وبديلهم الاتصالي والإعلامي الموافق لهم ولأصحاب الأهواء معهم.
وحتى لا تكون رحلة "الشقاء" في "الصيف" عبئا على بقية العام.. علينا أن نتذكر جميعا أن "الأبناء" نعمة حقها أن "تُشكر" بمزيد بالمسؤولية.
مسارات
قال ومضى: عجباً أن تنفق نصف يومك في التقاط (المستور من عيوبي).. والأعجب كيف تقضي النصف الباقي لتروجها بين الناس.