د. عبد العزيز جار الله الجار الله
في بطولة الأمم الأوروبية وقبل مباراة تركيا وألمانيا التي انتهت بفوز الألمان بدأ يتحدث المعلقون والمحللون الرياضيون وبمقارنات غربية مابين ألمانيا وتركيا بوصفهم لتركيا بالدولة القزم رياضياً وحضارياً أمام ألمانيا العظيمة بتاريخها ومنجزاتها حتى أن المحللين الألمان بدأوا يتندرون ويطلقون النكات والضحكات من هذا القادم من آسيا الصغرى إلى أوروبا لمنافسة الأقوياء...
هنا لابد أن نقول إن التاريخ مهما تباعدت المسافات يبقى حاضراً وأوروبا التي نسي رياضيوها والمحللون والمعلقون التاريخ الحديث لتركيا بحاجة إلى أن يذكرهم مثقفو ومؤرخو أوروبا أن تركيا كانت تحكمهم الى وقت قريب وكانت تسيطر على أجزاء من أوروبا ولولا إرادة الله ومشاغلة الصفويين في إيران لهم لأوشكت تركيا أن تسيطر على أوروبا بأكملها ليس البلقان والاناضول والقوقاز بل اسبانيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وايطاليا وبلدان الدول الاسكندنافية وزحفاً إلى روسيا.
التاريخ الحديث مازال يذكر سيطرة الدولة العثمانية في ظل الخلافة الإسلامية التي تشكلت سياسياً قرب بحر مرمرة أوائل القرن (13م) (1242م) وانهيار أمبراطورية السلاجقة جعل قوة الأتراك القادمين من (خوارزم) من بلاد (الخزر) قزوين. وجعلوا من القضاء على الأمبراطورية البيزنطية في أوروبا هدفاً لقيام إمبراطورية الخلافة العثمانية الإسلامية فتوسعوا باتجاه أوروبا وفتحوا اليونان ومقدونيا وبلغاريا وغرب البلقان في معركة كوسوفو الشهيرة عام (1389م) حتى سقوط القسطنطينية في تركيا زمن السلطان محمد الفاتح عام(1453م) وسيطر العثمانيون الأتراك على بلغراد في بلاد المجر عام (1521م) وحاصروا فيينا عام (1529م) وزمن سليمان القانوني سيطر الأتراك على معظم الأراضي الأوروبية من جزيرة القرم عند الحدود الروسية حتى جنوب اليونان. وسيطروا شرقاً على إيران وشرق الأناضول بعد اجتاحوا الصفويين عام (1514م) وعلى بلاد الرافدين العراق والقضاء على المماليك في مصر وسوريا (بلاد الشام) وسيطروا على كامل الجزيرة العربية ومواجهة البندقية في شرق البحر الأبيض المتوسط وضموا المغرب العربي للخلافة العثمانية الجزائر وتونس ( 1529- 1535م) وجزيرة مالطا (1565م) وقبرص (1570م). فسيطرة على الأناضول والبلقان ومحيط البحر الأسود وبحر إيجة والبحر الأبيض المتوسط والخليج العربي والبحر الأحمر وبحر قزوين والبحر الأدرياتيكي إلى حدود البندقية والاتجاه غرباً إلى أطراف ألمانيا وفرنسا وأسبانيا والاتحاد السويسري. وشرقاً: داغستان، وجورجيا وأذربيجان وارمينيا وحتى جبال القوقاز وإيران وجنوب الجزيرة العربية. إذن هذه تركيا قلب وعاصمة الدولة العثمانية الخلافة الإسلامية التي اجتمعت عليها قوى العالم لكسرها ودحرها ووصفها بالرجل المريض وعندما انهارت زحف الاستعمار الأوروبي إلى مدن وبلدان الأمبراطورية العثمانية ليأتي رجل أوروبا القوي ويحكم قبضته على دول العربية.. وهذا ما كان يجهله المحللون والمعلقون الرياضيون ممن وصفوا الفريق التركي بالقزم المتطفل على بطولة الأمم الأوروبية بعد أن اعتقدوا بأنها كبيرة عليه النتائج الإيجابية التي حققها في الأدوار التمهيدية والدور الربع النهائي وذهب منتخبا التشيك وكرواتيا ضحية للقوة التركية داخل المستطيل الأخضر.