الشعب المصري الكريم، خفيف الدم، وحنون، هو مؤسس النكتة العربية والمسرح "الكوميدي" و"الكاريكاتور" الصحفي، حتى إن تشرشل رئيس وزراء بريطانيا السابق روي عنه أنه قال "لو كان العالم يغزى بالنكتة لغزاه المصريون"، ومثلما تأتي الطرفة نقداً حاداً تجسد صورة شخص أو حاله، أو موقفاً اجتماعياً وسياسياً، وتختلف عن حكمة "المثل" أو الأمثال العامة، فإنها تعبير عن مكنون نفسي قد يرتبط بالسعادة أو التعاسة، وكل شعب يملك مصادر السخرية كدلالة على فرض ابتسامة ما، لكن صانع النكتة ومبتكرها، يملك موهبة غير عادية، والدليل أن اتساع رواجها على مختلف طبقات المجتمع يؤكد أن الإنسان ليس حزناً مركباً، طالما هو الكائن الوحيد الذي يضحك..
في المملكة، ومنذ سنوات قريبة انتشرت رسائل النكت بالجوال، كظاهرة لم تكن مسبوقة، ولم يسلم من سخريتها الفنان، والرياضي، والمسؤول، والمرأة، حتى أن بعضها يخدش الحياء، لكن أمام طوفان الحياة وتسارعها، أصبح لتلك الرسائل إيقاع عجيب وغريب فصرنا نضحك على كل شيء، وهذا التطور لا يعزى فقط لتضخم المدن وتعقيداتها والتفاعل مع جنسيات مختلفة نقلت أشياء من سلوكها، وإنما هي نبت البيئة والمجتمع، حتى إن معظم صياغاتها يأتي باللهجة المحلية الصرفة، ولا تستثني إنساناً أو طبقة اجتماعية من لذعاتها الحادة، فهل سيكلوجية الطرفة، أو النكتة، هي تفاعل ناضج، أم يأس من حالة ما، أم تعبير تتلاقى عليه كل مواقف الإنسان من نفسه، ومن محيطه وعالمه؟
العالم أصبح يتفاعل بكل شيء بسبب تقنيات الاتصال وسرعة تواصلها، وقد يكون مجتمعنا داخل هذا التفاعل الكوني، وبسبب حالات الانبهار بالمنجز الحضاري، والبؤس الذي يعيشه بعض الشعوب، وصراع الخير والشر والتفاوت الطبقي بين المجتمعات والشعوب، وانتقال الثقافات وحتى التقاليد فرض نوعاً من ثقافة السخرية، لتأتي النكتة معبراً حيوياً لا ترتبط بقواعد أخلاقية ولا سلوكية، بمعنى أنها تنطلق من روح صاحبها بدون حواجز التقاليد، والممنوع، والمتبوع، وتأتي كما هي صورة لنفسية قلقة أو ساخرة، أو حتى نموذجاً للرفض لحالات يجد فيها صائغها احتجاجاً على كل قواعد الحياة الاجتماعية، وسكونها وحركتها، فهي زواج وطلاق مع الأشكال السائدة، أو "الكوميديا السوداء" بتعبير المسرحيين..
كثافة النكتة وابتكاراتها الحديثة مع السائد العام في حياتنا الاجتماعية، خط جديد في تحريك المشاعر المتضادة، ولا أدري كيف أصبحت سرعة النكتة وتداولها، وقبولها حتى بتعبيرها الخارج عن حدود اللياقة، شكل من واقع نعيشه، وهذا يوضح أن البيئة خلاّقة لكل شيء، وحتى وجود الطرفة والظرفاء في تراثنا القديم والحديث، تفوقت عليه النكتة الحديثة من حيث الكم والمعاصرة، أي أنها تنطلق من حدث اليوم، وتبلور الصورة على شكل "كاريكاتير" منقول بسرعة الريح لكل الناس، فهل هذا التطور يثبت أننا مجتمع ضاحك رغم تسارع الحياة وصراعاتها المستمرة؟!