د. خالد بن عبدالله المنيع
في حالة النظر للعين السليمة تتركز أشعة الضوء المتوازية على الشبكية حيث تكون العين بحالة الراحة لكن غالباً ما توجد الحالة المعاكسة أي حالة خلل الانكسار وهناك ثلاثة أنماط رئيسية لخلل الانكسار وهي: بعد النظر وقصر النظر وحرج البصر. يكون معظم الأطفال بعيدي النظر عند الولادة بشكل فيزيولوجي ولكن يوجد أعداد لابأس بها من الأطفال المصابين بقصر النظر خاصة عند الخدج والأطفال حديثي الولادة ويكون لديهم غالباً درجة خفيفة من حرج البصر. تميل الحالة إلى التغير مع نمو الطفل لذا يجب تقييمها دورياً.
يمكن قياس حالة الانكسار للضوء على العين بطريقتين موضوعية وذاتية. تشمل الطريقة الموضوعية تركيز حزمة ضوئية من منظار الشبكية على شبكية العين عبر مجموعة من العدسات ذات قوى مختلفة توضع أمام العين. وهذه الطريقة دقيقة ويمكن إجراؤها في أي عمر لأنها لا تحتاج إلى أي استجابة من المريض. ومن الأفضل عند الرضع والأطفال إجراء هذه الطريقة بعد وضع قطرات في العين تحدث توسعاً في الحدقة، وأكثر القطرات المستخدمة شيوعاً هي التروبيكاميد وبدرجة اقل هيدروبرومايد الهوماتروبين وسلفات الأتروبين. أما الطريقة الذاتية الشخصية فتشمل وضع عدسات تعطي أفضل صورة للأحرف الموجودة على اللوحة، وهذه الطريقة تعتمد على قدرة المريض على التمييز والاتصال ولكن يمكن استخدامها عند بعض الأطفال وقد تكون مفيدة في تحديد أفضل إصلاح للانكسار عند العديد من الأطفال القادرين من ناحية العمر على القيام بها.
طول النظر :
نقول بوجود طول النظر إذا تركزت الأشعة الضوئية المتوازية خلف الشبكية والعين بحالة الراحة، ويمكن أن ينجم ذلك إذا كان القطر الأمامي الخلفي للعين قصيراً جداً أو كانت القدرة الكاسرة للقرنية أو العدسة (الجسم البلوري) أقل من الطبيعي أو كان الجسم البلوري منزاحاً للخلف.
تستخدم طريقة المطابقة في حالة طول النظر لجعل خيال الأشياء مركزاً على الشبكية في كل من الرؤية القريبة والرؤية البعيدة. وإذا لم يكن جهد المطابقة المطلوب كبيراً فإن الرؤية عند الطفل تكون واضحة ويكون مرتاحاً أثناء الأعمال القريبة والبعيدة. أما في الدرجات الكبيرة من طول النظر التي تحتاج إلى جهد كبير للمطابقة فقد تكون الرؤية مشوشة ويشتكي الطفل من اجهاد العين أو الصداع أو التعب، كما أن الحول وفرك العين والتهاب الجفن وعدم الاهتمام بالقراءة من الاعراض الشائعة أيضاً. وإذا كان عدم الارتياح الحاصل كبيراً لدرجة كافة فإن الطفل لا يقوم بأي جهد لمحاولة الرؤية الجيدة وقد يتطور لديه الغمش ثنائي الجانب ( الغمش الناجم عن خللل الانكسار) كذلك قد تترافق الحالة مع الحول للداخل (الحول المتقارب). توصف عند الضرورة عدسات محدبة (نظارات أو عدسات لاصقة) ذات قوة كافية للتمكين من رؤية واضحة، وحتى الأطفال المصابون بدرجة عالية من طول النظر ولكن لديهم رؤية جيدة سوف يشعرون بالسعادة عند استخدام النظارات لأنها تريحهم من جهد المطابقة الشديد الضروري للرؤية الجيدة. كذلك يجب استخدام النظارات مبكرا عند الأطفال في الحالات شديدة الدرجة من طول النظر وذلك لمنع تطور الحول أو الغمش.
قصر النظر :
تلتقي الأشعة الضوئية المتوازية في قصر النظر أمام الشبكية، وقد يكون ذلك بسبب أن القطر الأمامي الخلفي للعين طويل جداً أو أن القدرة الكاسرة للقرنية أو العدسة أكبر من الطبيعي أو بسبب انزياح العدسة نحو الأمام. إن العرض الرئيسي هو تشوش رؤية الأجسام البعيدة. وتتناسب أبعد نقطة للرؤية الواضحة عكسياً مع درجة قصر النظر، فكلما ازداد قصر النظر أصبحت أبعد نقطة للرؤية الواضحة أقرب. على سبيل المثال: عندما تكون درجة قصر النظر كبيرة فإن أبعد نقطة للرؤية الواضحة هي متر واحد عن العين، ولهذا يميل الأطفال المصابون بقصر النظر لتقريب الأشياء إلى أعينهم والقراءة عن قرب كما يفضلون الجلوس قريباً من السبورة وقد لا يبدون اهتماماً بالأشياء البعيدة. إن التقطيب " العبوس والحول" شائعان لأن القدرة البصرية تتحسن عندما تصغر الفتحة بين الجفنين وهذا يشبه ما يحدث عند تصغير أو إغلاق فوهة الحجاب في الكاميرا.
قصر النظر ليس شائعاً عند الرضع والأطفال قبل سن المدرسة، وهو أكثر شيوعا عند الخدج والرضع الذين حدث لديهم اعتلال الشبكية في فترة مابعد الولادة، كذلك يوجد استعداد وراثي للإصابة بقصر النظر ولهذا يجب فحص الأطفال في عمر مبكر إذا كان الوالدان مصابين بقصر النظر. تزداد نسبة قصر النظر خلال سنوات الدراسة خاصة في سنوات المراهقة وما قبلها، كما تزداد درجة أيضاً مع تقدم العمر خلال سنوات النمو.
توصف عدسات مقعرة (نظارات أو عدسات لاصقة) ذات قوة مناسبة للحصول على الرؤية الجيدة. ويحتاج الطفل إلى تغيير هذه العدسات بشكل دوري عادة كل 1- 2سنة وأحياناً كل بضعة أشهر. المطابقة الشديدة أثناء العمل القريب اعتبرت من قبل البعض أنها تؤدي لتطور قصر النظر، واعتماداً على هذه الفرضية ينصح بعض الأطباء باستخدام العدسات ذات البؤرتين أو عدم إصلاح عيوب الانكسار بشكل كامل أو ضرورة عدم استخدام نظارات قصر النظر أثناء الأعمال القريبة وكل ذلك في محاولة لتأخير تطور قصر النظر لكن قيمة مثل هذه المعالجات لم تثبت علمياً بعد.
قصر النظر في معظم الحالات ليس ناجماً عن تغير مرضي في العين ويدعى في هذه الحالة بقصر النظر البسيط أو الفيزيولوجي. وقد يكون بعض الأطفال مصابين بالقصر في النظر المرضي وهو حالة نادرة ناجمة عن الاختلاف المتفاوت في طول محور العين، وتترافق هذه الحالة عادة مع شبكية رقيقة وغالباً ما توجد درجة خفيفة من ضعف الرؤية غير القابل للتصحيح. ومع تزايد ترقق الشبكية قد تحدث تمزقات فيها مما يؤدي لتطور انفصال الشبكية. قد يحدث قصر النظر أيضاً نتيجة للاضطرابات في العين مثل القرنية المخروطية والعمى الليلى الخلقي.
حرج البصر:
يوجد في حرج البصر اختلاف في القدرة الكاسرة لأقطار العين المختلفة. وتنجم معظم الحالات عن عدم انتظام انحناء القرنية وبعضها ينجم عن التغيرات في العدسة (الجسم البلوري). الدرجة الخفيفة من حرج البصر شائعة جداً وقد لا تسبب أي أعراض. أما في الدرجات الشديدة فقد يحدث تشوه في الرؤية. الشخص المصاب بحرج البصر وفي محاولة منه للحصول على صورة أوضح يستخدم المطابقة أو التقطيب أو الحول للحصول على أفضل رؤية.
تشمل أعراض حرج البصر اجهاد العين والصداع والتعب، ومن المظاهر الشائعة في الطفولة فرك العين وعدم الاهتمام بالواجبات المدرسية وتقريب الكتاب إلى العين. تستخدم لإصلاح الرؤية في حرج البصر عدسات أسطوانية أو عدسات كروية أسطوانية وذلك عند وجود استطباب لذلك. قد تستخدم النظارات بشكل دائم أو بشكل متقطع ويعتمد ذلك على درجة حرج البصر وشدة الأعراض المرافقة، ويمكن في بعض الحالات استخدام العدسات اللاصقة.
تفاوت الانكسار:
نقول بوجود تفاوت الانكسار عندما تكون حالة الانكسار في إحدى العينين مختلفة بشكل كبير عن حالة الانكسار في العين الأخرى. وإذا لم تصحح حالة تفاوت الانكسار فإن إحدى العينين قد لا تتركز عليها الصورة دوماً مما يؤدي إلى تطور الغمش أو العين الكسولة. الكشف والتشخيص والمعالجة المبكرة أمران أساسيان للحصول على رؤية طبيعية في كلتا العينين.
وضوح الرؤية مع تقدم العمر
تتقلص العضلة الهدبية أثناء المطابقة وترتخي الألياف المحيطة بالعدسة فيأخذ شكلا أكثر استدارة مما يجعل أشعة الضوء تتركز على الشبكية. تكون سعة المطابقة في ذروتها خلال الطفولة وتنقص تدريجيا مع العمر. التناقص الفيزيولوجي في القدرة على المطابقة الحادث مع تقدم العمر يدعى قصور البصر لذا تجد الشخص بعد سن الاربعين لا يستطيع قراءة الاحرف القريبة جدا من العين في حين انه يراها بوضوح حين يتم وضعها على مسافة ابعد من العين.
تعتبر اضطرابات المطابقة عند الأطفال نادرة نسبيا، وقد يصادف قصور البصر المبكر عند الصغار أحيانا. السبب الأشيع لشلل المطابقة عند الأطفال هو الاستخدام المتعمد أو غير المقصود للمواد الشالة للمطابقة جهازيا أو موضعيا وتشمل هذه المواد كل الأدوية والسموم المضادة للكولين إضافة إلى النباتات والمواد النباتية التي تمتلك هذه التأثيرات. أما الأسباب العصبية لشلل المطابقة فتشمل المشاكل التي تصيب العصب المحرك للعين في أي جزء من مساره و تشمل الأمراض العامة التي قد تسبب ضعفا في المطابقة مثل الدفتيريا وداء ويلسون و السكري او بعد بعض الأمراض الفيروسية. ونادرا ما يكون عدم القدرة على المطابقة ناجما عن عيب خلقي في العضلة الهدبية. وقد يكون اضطراب المطابقة الظاهر نفسي المنشأ وليس من النادر أن يدعي الطفل عدم القدرة على القراءة رغم أن القدرة البصرية والقدرة على التركيز لديه طبيعيتان.