بحث



الخميس 22 جمادى الآخر 1429هـ -26 يونيو2008م - العدد 14612

عودة الى سينما

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


عشرة آلاف عام قبل الميلاد.. وقبل السينما!

سيدني - محمد بازيد
    لن يبدو عصياً على الملاحظة إدراك التشابه الشكلي المقصود أو غير المقصود بين الفيلم الجديد " 10000عام قبل الميلاد" وفيلم "أبو كالبيتو" للمخرج والممثل الأسترالي "ميل غبسون" لدرجة تدفعك للاعتقاد ربما أن مخرج الفيلم الأول لم تواته فكرة إخراج فيلمه إلا أثناء مشاهدته لفيلم "غبسون" سالف الذكر.

وبعيداً عن المقارنة الشكلية أو الفكرية بين الفيلمين والتي تفرضها عليك أجواء فيلم " 10000عام قبل الميلاد"، فإن الفيلم يحاول بشكل أو بآخر تقديم نفسه على أنه فيلم تاريخي جاد ورصين يحمل رسالة عميقة الدلالة حول مفاهيم الحرية والعبودية والقوة والضعف منذ فجر التاريخ الإنساني.. وتأتي تلك الرسالة من خلال قصة شاب مقاتل يعيش مع قبيلته الصغيرة على قمة جبل جليدي في مكان ما من العالم القديم، ينجح هذا الشاب في قتل ماموث بري بمفرده فيما يعد مهمة صعبة تنتخب لها القبيلة كل عام عشرات الشباب الأشداء.. الأمر الذي يكسبه سمعة مميزة تمحو آثار هروب والده المخزي من واجبه في حماية القبيلة قبل سنوات.. وفي انتقال درامي غير مفهوم تتعرض القبيلة لغزو على يد جيش أكثر تحضراً وعتاداً وفتكاً مخلفة وراء غزوها البربري عشرات القتلى ومخطتفة عشيقة ذلك الشاب البطل.. لن يحار المشاهد أياً كان مستوى ذكائه الفني في توقع بقية أحداث الفيلم التي تدور بعد ذلك حول انطلاق الشاب البطل لإنقاذ عشيقته ومن ثم تحرير كامل قبيلته من العبودية لذلك الجيش الظالم.. ويأبى المخرج إلا أن يضيف بسخاء درامي لا مثيل له إلا في المسلسلات الخليجية تحسين صورة الأب الهارب بجعله بطلاً هو الآخر رغم أنه لم يقدم حسب معطيات الفيلم أي تضحية من أي نوع!

مخرج الفيلم الألماني "رولاند ايميريخ" اشتهر بأعماله الباذخة انتاجياً والفارغة في أغلبها من محتوى فني أو فكري حقيقي.. فقد سبق له تقديم إعادة أمريكية لفيلم الخيال العلمي الياباني "غوادزيلا Godzilla" كما قدم فيلم الإثارة الملحمي "يوم الاستقلال Independence Day" فيما كانت آخر أعماله السينمائية قبل " 10000عام قبل الميلاد" فيلم "بعد غد The Day After Tomorrow".. وتشترك أفلامه بهشاشة المحتوى الفكري لها مقارنة بضخامة العمل الصوري والظاهري فيها ما يوحي دائماً بأنها أعمال ذات مستوى متقدم فنياً من خلال العروض الدعائية.. وهو ما حدث تماماً مع فيلمه الأخير " 10000عام قبل الميلاد" فالأجواء التاريخية القديمة كانت حاضرة بامتياز في أغلب لقطات الفيلم ومشاهده.. وكوادر التصوير كانت مميزة ومنتقاة بعناية فائقة.. ولكن الحس الإنساني كان هو الغائب الأبرز في هذا العمل.

كارثة أخرى لم أشاهدها منذ زمن طويل في الأعمال الأمريكية الإنتاج، وهي رداءة مستوى التمثيل.. فقد عودتنا هوليوود مهما كانت ضعيفة على حد أدنى من الاتقان في جميع معطيات العمل السينمائى تجعلك تتعاطى مع العمل

باعتباره فيلماً جيداً كان أو سيئاً ولكنه سيظل فيلماً بالمسمى الفني.. في هذا العمل وجدت نفسي ولأول مرة منذ سنوات وجهاً لوجه أمام طاقم يمتاز برداءة التمثيل والمبالغة في التعاطي مع الأحداث والحوارات ذكرتني بأداء ممثلي الدراما الخليجيين اعتقاداً منهم أن المشاهد بحاجة إلى لوحات إرشادية ترتسم على ملامح وجوههم عبر تقطيبات الجبين المتكررة وحركة هز الرؤوس غير المبررة لفهم أجواء الفيلم أو مدى جدية الحوار!..

من الأمور غير المفهومة في سياق الفيلم اقحام بناء الأهرامات وأن ذلك الجيش الفتاك الذي كان يجوب الأرض لم يكن يهدف سوى لتوفير المزيد من السخرة والعبيد الذين يعملون على بناء أهرامات ضخمة شبيهة بأهرامات الفراعنة في مصر! ويسود لدي اعتقاد غالب أن مخرج الفيلم وهو نفسه كاتبه بالمناسبة لا يملك تبريراً منطقياً ولا حتى فنياً لهذا الإقحام الغريب وغير المفهوم لا بالسياق التاريخي للفترة التي تغطيها أحداث الفيلم ولا حتى بالسياق الدرامي والفني للفيلم.. ولا أستبعد أن الفكرة راقت للمخرج بصرياً حيث تم تنفيذ مشاهد الأهرامات بحرفية عالية ثم نسي في زحام إنتاج بقية مشاهد الفيلم أن يوجد ما يبرر لهذا الجزء ويربطه ببقية أوصال الفيلم المقطعة.

وبالحديث عن الأوصال المقطعة للفيلم فإن الفيلم يبدأ بك في مناطق جبلية شاهقة الارتفاع بدلالة الثلوج التي تغطي سطح الأرض لأمتار مرتفعة.. ثم تسير أحداث الفيلم باتجاه غابات استوائية يانعة الخضرة! لتجد نفسك في نهاية المطاف في صحراء جرداء لتطرح عليك تساؤلاً في غاية السذاجة: هل كانت الأرض قبل 12000عام بهذا الصغر حتى يتنقل فيها أفراد حفاة شبه عراة دون وسائل نقل حتى لو بدائية بهذه السرعة من بيئة لبيئة أخرى مناقض تماماً؟ الجواب الوحيد المقنع الذي أملكه مرة أخرى أن المخرج كان يفكر بروعة الإبهار البصري وهو يعد لفيلمه دون أن يعي بضرورة خلق مبررات درامية وفنية من سياق الأحداث لكل ما يريد رسمه على الشاشة.

أمر آخر يختص بتقطيع أوصال الفيلم وضعف بنيته الفنية حين تجد رجال الكهف أبطال الفيلم وهم يتحدثون اللغة الإنجليزية بطلاقة، وإلى هنا لا مشكلة فمن الصعب أن تنتج فيلماً جماهيرياً يتحدث أبطاله بلغة انقرضت منذ آلاف السنين.. ومع تقدم أحداث الفيلم يلتقي رجال الكهف برجال الأدغال إن صحت التسمية والذين يتحدثون بلغة مغايرة تماماً وهنا يتطوع المخرج لحل المشكلة بجعل أحد رجال الأدغال يتحدث الانجليزية بطلاقة ليقوم بدور الترجمة! ويتكرر المأزق مرة أخرى مع تقدم أحداث الفيلم وبالطبع فالحل جاهز وقريب مرة أخرى يتطوع أحد رجال الأدغال أو رجال الكهف ليقوم بدور وسيط الترجمة دون أن يوفر المخرج على نفسه عناء هذه الأزمة المخرجة بتوحيد لغتهم جميعاً حتى لا يتسلسل إلى أذهاننا كمشاهدين أسوياء تساؤل بريء: أين تعلم كل هذا الكم من المترجمين في الفيلم علوم اللغات المتعددة هذه؟

أخطاء الفيلم الفنيةالكثيرة، وغياب القصة المترابطة، وتكرار الحبكةالهوليودية المملة، بالإضافة إلى رداء الأداء التمثيلي كلها عوامل جعلت من هذا الفيلم خيبة أمل كبيرة لمحبي أعمال المخرج السابقة وبالطبع خيبة أمل أكبر لمنتجي العمل الذي تلقاه النقاد والجمهور بانتقادات لاذعة بحجم البذخ الانتاجي والمؤثرات البصرية المبذولة فيه. ليثبت هذا العمل كما أثبتت عشرات الأعمال غيره أن الميزانيات المليونية والخبرات الطويلة قد لا تصنع بالضرورة فيلماً ناجحاً.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى سينما

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية