الرئيسية > ثقافة الخميس

أطراف الحديث

باكثير وأسئلة أخرى (2)


د. عبدالله المعيقل

كنت قد توقفت في الحلقة السابقة عند التساؤل عما إذا كانت الكتابة لدى باكثير تعويضاً عن شعوره بالغربة، وتعبيراً عن إحساسه بالتجاهل من قبل النقاد في مصر، وعما إذا كان هذا ينطبق أيضاً على الشعر، وما هو رأي باكثير نفسه في شعره ولماذا ظل يحجبه عن النشر على كثرة ما كتب، ولماذا لم تغره تجربته في اكتشاف شكل جديد في كتابة الشعر العربي في الحماس لهذه التجربة والتفرغ لها؟.

كل هذه الأسئلة قد نجد لها إجابات عند باحث متفرغ لأعمال باكثير وحياة باكثير مثل الدكتور أبوبكر حميد، ولكن هذا لا يمنع من الافتراض بأن باكثير نفسه غير راض عن شعره، وكان يراه دون طموحه، ودون المستوى الذي يريده، وكانت الدراما خياره الأمثل بعد أن استقر في مصر، ورأى المسرح الشعري وأعجب به، واطلع على المسرح الانجليزي وبدأ ترجماته منه بما يشبه التحدي لمعلمه الانجليزي ورغبة باكثير في أن يثبت له أن الشعر العربي يستجيب للشعر المرسل، ولذا كانت ترجمته لمشهد من مسرحية روميو وجوليت.

كانت هذه التجربة هي التي قادته لاكتشاف شكل جديد في كتابة الشعر العربي ولأول مرة في تاريخنا الشعري، يقول باكثير عن هذه التجربة بأنها "جعلت الوحدة الشعرية تنتقل من البيت الشعري إلى الجملة التامة المعنى التي قد تستغرق بيتين أو ثلاثة أو أكثر من غير أن يقف القارئ إلا عند نهايتها...

بحيث لا يوجد التزام بعدد التفعيلات في البيت الواحد).

وتصف الدكتورة سلمى الجيوسي كلام باكثير بأنه يدل على أنه يستعمل تفسير مصطلح الشعر الحر بشكل دقيق. وهذا أيضاً هو الذي دفع الشاعر بدر السيّاب للاعتراف ضمنياً بأسبقية محاولة باكثير كما يشير الدكتور المقالح، يقول السيّاب: "إذا تحرينا الواقع وجدنا ان علي أحمد باكثير هو أول من كتب على طريقة الشعر الحر في ترجمته لرواية وليام شكسبير روميو وجوليت التي صدرت عام 1947بعد أن ظلت تنتظر النشر عشر سنوات كما يقول المترجم". مجلة الآداب - يونيو 1954نقلاً عن كتاب المقالح.

إن هذا الانجاز التاريخي لباكثير على مستوى التنظير والتطبيق لا يبدو أنه كان كافياً لأن يجعل منه شاعراً مهماً، تقول الجيوسي: "لم يكن شاعراً من المرتبة الأولى، فعلى الرغم من بداهته التي أسقطته في إدراك سر التحرر من نظام الشطرين في شعره الحر أخفق في حد ذاته، في اجتياز مرحلته الأولى بوصفه شكلاً جديداً مهماً في الشعر الغربي، ولم ينتقل بشكل الشعر العربي من محاولات التجريب إلى تأسيس حركة معتمدة مباشرة كأساس لها، فقد ظلت هذه المحاولة مجهولة على الصعيد العام لسنوات إلى أنه أخذها عنه شعراء آخرون وبنوا عليها حركتهم الجديدة متغاضين لسنوات عن إعلان تجربته الفريدة وتأثيرها فيهم.

نعود الآن لمحتويات ديوان "سحر عدن وفخر اليمن" وقد أخذتنا التساؤلات عن الشاعر وشعره إلى أجواء أخرى وإن لم تكن بعيدة كل البعد. ان قصائد هذا الديوان هي قصائد تقليدية: شعر مناسبات واخوانيات، وتعبير عن مواقف وأحداث، وقضايا وطنية، وهم عربي وإسلامي ونبرة تنويرية نهضوية في تفاعل واضح مع أحداث العرب الكبرى في تلك الفترة. وقد حظي صديقه الحميم محمد علي لقمان كما يسميه بالكثير م قصائد الديوان وهو الذي أهداه إليه كما أسلفنا، ولقمان أحد رواد النهضة الفكرية في عدن في تلك الفترة:

وكيف أنسى خليلاً قد نسيت به

أهلي وصحبي واخواني وأوطاني

مؤسس النهضة الشماء في عدن

مقيمها غير هيّاب ولا وان

كأنه ملك مولاه أرسله

لينفخ الروح في أبناء قحطان!!!!

ورغم ان قصائد الديوان تتفاوت بين الضعف والقوة، إلا إن شعره في لقمان يبدو أكثر سلاسة وعفوية وكذلك قصائده في رثاء زوجته بسبب ما تحفل به هذه الأبيات من عاطفة صادقة لأقرب الناس إليه، زوجته نور وصديقه محمد علي لقمان.

وفي الديوان قصائد رثاء لشوقي وحافظ إبراهيم، وآخرين في دعوة أبناء وطنه للنهضة وترك الجمود الفكري:

مضى زمن الجمود فودعوه

ووافاكم زمان العاملينا

وان لنا مواهب ساميات

بني الأحقاف أدهشت القرونا

ولو ثقفت يوم حضرميا

لجاءك آية في الهابطينا

يذكر محقق الديوان الدكتور محمد أبوبكر حميد ان باكثير اتصل في هذه الفترة المبكرة من حياته بالمدرسة السلفية المستنيرة في مصر من خلال السيد محمد رشيد رضا صاحب مجلة "المنار" وتأثر بأفكار جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده وعودتهما للجامعة الإسلامية يقول في قصيدة بعنوان بطل التذكير:

وقفت بين رسوم الدين أندبه

وقوف باك على آثار مرتحل

وقلت لولا "جمال الدين" قام به

لما وقفت على رسم ولا طلل

ولو تخلف عنه "عبده" نفساً

لطار طائره من قبضة الأمل

وهي القصيدة نفسها التي يشير فيها إلى حركة الشيخ محمد بن عبدالوهاب.

يقول:

والمصلحون إذا ما ذكروا اتهموا

من ماجن غزل أو شارب ثمل

يعيرون بوهابية خلصت

انقى من اللبن السلسال والعسل

وفي الديوان ثلاث قصائد في تأييد الملك عبدالعزيز الذي رأى فيه موحداً للعرب والمسلمين على غرار ما قام به من توحيد لأقاليم الجريدة وقيام الدولة السعودة الثالثة والواقع ان باكثير كان شديد الاعجا بالملك عبدالعزيز، وقد التقى به عند زيارته للحجاز واستمرت العلاقة قوية ومتصلة حتى بعد استقراره في مصر.

@ سلمى الجيوسي: الاتجاهات والحركات في الشعر الغربي الحديث، ترجمة عبدالواحد لؤلؤة،2001

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة