الشاعر لا يصمت وإن صمت اختنق. قد يفقد الآخر صوت الشاعر ولكن الشاعر لا يفقد صوته لأن صوته هو حياته فهو معجون ومختلط به في تمازج عجيب لا يمكن أن يفترق عنه، فلو أحس بأنه قد تخطاه وفارقه ذاب وتلاشى كصمت أبدي لا نطق بعده، ولكن الشاعر يعيش ما يسمى فترة احتباس، وهي فترة قد تطول، ولكنه خلالها لا يكتب الشعر غير أنه يعيشه معايشة تليق به، فهي فترة تُعد بمثابة استراحة تأمل مفعمة بفعل التحفز الذي تعقبه الانطلاقة التي ربما تكون أكثر قوة ومتانة من سابقاتها إن لم تكن مماثلة على الأقل لكون المعطي هو من كان صاحب الأساس الأول الذي كان وراء هذا الفعل الشعري الذي كان ولما يزل ينضح بما فيه من المعين الذي لا ينضب من توالي المعايشة للواقع الحياتي الملاصق المعطي كثيراً من الصور والأبعاد التي تؤطر حياة الإنسان في أي مكان من الدنيا، إذ أن تفاعلات الإنسان هي واحدة مهما تعددت المشارب واختلفت المناخات، ففي التباينات الظاهرة مرتكزات أساسية لا تتغير بأي فعل لأن المبدع هو المنتج الحقيقي للقول الشعري الذي هو بؤرة العطاء في مجال الفنون عامة، وفي معايشة حالة التحفز التي تفرض نفسها يكون الاحتباس في فورته السكونية (ترقب للمفاجأة) وفي وقت لم يكن في الحسبان تكون حالة المواجهة اللامرتقبة، فيكون فعلها في مباغتة قصيدة تأتت بعد حالة الاحتضان التي أفرزت هذه البذرة لكي تظهر وتبرز في صورتها آنياً معبرة عن فعل مرتقب، وهذا الفعل بالرغم من ترقبه لا يجيء إلا بإرادته غير مطاوع للطلب أو الأمر، فهو يأتي باختياره في الوقت والمكان الذي يختاره، ومثل هذه الحالة التي تختفي ثم تبرز في أوقات مختلفة عديدة وتمثلت عند مبدعين كثر مثل نجيب محفوظ، وميخائيل نعيمة، وحسين سرحان، وسعيد عقل، ومحمد الأسمر، وعلوي الهاشمي، وكثيرون هم الشعراء والروائيون من المبدعين الذين صمتوا صمت تأمل ثم عادوا بأعمال لافتة، وفي الشاعر الصامت الذي كان مغرداً أبداً: عبدالغني قستي يتمثل الصمت القسري الذي لا بد أنه قد كون مساحة كافية للانطلاقة التي ستكون في فعلها مكتنزة بزخم من القول الشعري المنمق الجميل الدال على شاعر يعي الشعر ويعطيه ما يستحق من العناية، إذ يعامل القصيدة كما يعامل فلذة كبده في مراعاته لها ووضعها في المكان المناسب لها بعد تهيئة كل المتطلبات الخاصة بها من لفظة. ومعنى، ولغة، وموسيقى، وكل ما يساعد على أن تطل القصيدة بكامل زينتها وبهائها، وهنا يجدر أن أقول بأن الشاعر عبدالغني قستي شاعراً له مكانته الشعرية بين الشعراء العرب من القرن الماضي إلى اليوم وهو لا شك أن لديه الكثير من الشعر الجميل الذي أرجو أن لا يبخل به وأن يفرج عنه، ثم أن لا يكبح نزوة الشعر إذا ما دهمته فستكون لهذه المداهمة عطاءاتها التي ستجلب جديداً لشاعر عملاق، وأتمنى أن يجد العناية من الشيخ عبدالمقصود خوجة في لفتة منه لإصدار أشعاره ضمن سلسلة الرواد الذين عني بهم والقستي الشاعر هو رائد يستحق أن يلتفت إليه ويجب ذلك من الجهات التي لها صلة واهتمام بهذا المجال، وأولها وزارة الثقافة والإعلام التي سبق أن كانت هناك التفاتة منها له كإنسان ونريد التفاتة إلى عمله الشعري الجميل ولو بطبع ديوان متكامل لآثاره الشعرية المطبوع منها والمخطوط، ففي اعتقادي بل أأكد أن لديه الكثير من الجيد:
على الربوة الفيحاء والسلسل الجاري
سكبت صباباتي ودمعي وأسراري
فحسبي من الحرمان كأس مريرة
بوجدي وأشواقي وحيرة أفكاري
وهذا مطلع قصيدة جميلة للشاعر ومعها أخريات سأقف معها لاحقاً.