اتبعت الحكومة قبل سنوات سياسة دعم للأراضي الصناعية بتوفير أراض مطورة بإيجار مخفض جدا ( 8هللات للمتر المربع)، وهذا الإيجار لم يراع تفاوت أسعار الأراضي، وهذه نقطة ضعف كبرى في سياسة الإيجار الموحد. من الصعب جدا الاستمرار في توفير دعم مبالغ فيه، وهذا ما حصل، ويحصل في كل أنحاء العالم، وهو يحفز غالبا في إهدار استعمال الموارد، والإهدار الرأسمالي، أي حافز إقامة منشآت وتجهيزات أكثر من حاجة قدر محدد من الإنتاج.
مشكلة الدعم الزائد انقلبت إلى العكس، بحيث أصبح الدعم شحيحا جدا. فقد ذكر الدكتور توفيق الربيعة مدير عام هيئة المدن الصناعية ومناطق التقنية أنه لا توجد مخصصات مالية جديدة من الدولة للهيئة لتطوير داخل المدن الصناعية، ولذلك فإن الهيئة تعتمد على دخلها الذاتي لتطوير المدن الصناعية، وهو دخل متدن جدا، لا يسمن ولا يغني شيئا - مليونا ريال، وفقا للربيعة. وحسب حديث الربيعة أيضا، خصصت الحكومة العام الماضي وعلى مدى خمس سنوات ملياري ريال لإيصال الخدمات إلى حدود المدن الصناعية. المصدر جريدة الرياض، عدد الاربعاء 27صفر 1429، الموافق 5مارس
2008.ما ذكره الدكتور توفيق الربيعة يؤكد تصريحات أدلى بها إلى بعض وسائل الإعلام كل من نائب رئيس الغرفة التجارية والصناعية في الرياض المهندس سعد المعجل، والمهندس أحمد الراجحي رئيس اللجنة الصناعية في الغرفة نفسها، والتي أكدت شح الأراضي الصناعية والبطء في تطوير المدن الصناعية الجديدة.
ولكن لماذا لم توفر مخصصات مالية حكومية كبيرة لتطوير المدن الصناعية؟ تصريح الربيعة السابق لا يجيب على هذا السؤال.
لنناقش الدعم الحكومي من منظار الاستراتيجية الصناعية التي يجري إعدادها، والتي ترمي إلى أن يصبح نصيب القطاع الصناعي غير القائم على النفط من الناتج المحلي 20% خلال 10إلى 15سنة من الآن، وهو أكثر من ضعف النصيب الحالي. من البعيد جدا أن يتحقق ذلك بدون دعم حكومي في عمليات تطوير المدن الصناعية، بحيث يزيد من ربحية الاستثمار الصناعي، ذلك لأن القطاع الصناعي غير البتروكيماوي، صغير وغير ناضج، ويعاني من تدن نسبي في معدلات الربحية مقارنة ببعض القطاعات الأخرى.
المطلوب توفير اراض أو منشآت مطورة جاهزة للاستثمار الصناعي، تكون تكلفتها منخفضة على المستثمر، ولكن ليست منخفضة بصورة متطرفة. ومن الصعب تحقيق ذلك بدون دعم حكومي ملموس، يزيد عن المتبع حاليا. ويبدو أن هذه السياسة لا تعارض قوانين منظمة التجارة العالمية، طالما لم يكن هناك تخصيص أو تمييز بين المستثمرين داخل الدولة.
لذا ينبغي تحسين سياسة الدعم الحكومي في تطوير المدن الصناعية، وفي هذا أطرح عدة نقاط.
1- يجدر بالحكومة أن تعامل المدن الصناعية ومناطق التقنية من حيث الدعم الحكومي معاملة لا أقول مماثلة ولكن على الأقل لا تختلف كثيرا عن المعاملة التي تعطى لمدينتي الجبيل وينبع الصناعيتين. لا أجد مبررا مقنعا لتخصيص مبالغ زهيدة لهيئة المدن الصناعية، مقابل المليارات ريالات سنويا للهيئة الملكية للجبيل وينبع.
2- ينبغي ألا يوحد الإيجار، بل ينبغي أن يربط بنسبة مئوية من سعر أو قيمة الأرض، ويكون منخفضا عن سعر السوق، ولكن ينبغي ألا يخفض كثيرا جدا.
3- من البداهة التنسيق بين مقدمي المرافق من هاتف وكهرباء وماء، والشركات التي تدير المدن الصناعية. بناء شبكة مرافق يفترض أن يكون من مسؤولية مقدمي المرافق، أسوة بالمتبع في المناطق السكنية والتجارية داخل المدن.
4- سفلتة ورصف شوارع المدن الصناعية ينبغي أن تتحمل تكلفتها الحكومة أسوة بالأحياء والمدن الحضرية، أو على الأقل تساهم بنسبة من التكلفة.
5- التوصية بأن يسمح لهيئة المدن الصناعية، وللشركات المطورة للمدن الصناعية بالاقتراض من صندوق التنمية الصناعية، مبالغ قد تتجاوز مليار ريال للمدينة الواحدة ذات المساحة الكبيرة. قد لا تكفي موارد الصندوق لمنح تمويلات ذات حجم كبير، ولذا أرى أن الحاجة تستدعي زيادة رأسمال هذا الصندوق زيادة ملموسة مرة ثانية. الزيادة ستساعد على سرعة تنفيذ أهداف الاستراتيجية الصناعية. هذا وبالله التوفيق.
6- تفوق المملكة مساحة وسكانا كافة دول مجلس التعاون الأخرى، وفي نفس الوقت تتفاوت مناطق المملكة في الظروف والخصائص والتركيب، ولذا اقترح تكوين هيئة شبه مستقلة للمدن الصناعية في كل منطقة من مناطق المملكة، وتتولى الهيئة المركزية وضع السياسات العامة.
@ دكتوراه في الاقتصاد