سعادة الأخ الكريم تركي العبدالله السديري
رئيس تحرير جريدة "الرياض" الموقر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أطلعت على ما جاء في جريدتكم الغراء في عددها رقم (14608) ليوم الأحد 18جمادى الآخرة 1429ه.. تحت عنوان "كفاءة برامج زراعة الأعضاء" في زاوية نقطة ضوء للدكتور محمد عبدالله الخازم. ونظراً لأنه هناك العديد من النقاط التي تناولها المقال حول برامج زراعة الأعضاء في المملكة وما قام به الدكتور من ربط العديد من العوامل المؤثرة والمرتبطة بعضها مع بعض واستنتاج النتائج التي بنى عليها بعض التساؤلات ما أخل بالهدف الرئيسي الذي نعتقد أن الدكتور يهدف له وهو المساهمة في إنجاح البرنامج ودفعه للأمام بالرأي والكلمة والمشورة ليحقق الأهداف التي وجد من أجلها.. ولذلك فإننا نعتقد أن هناك الكثير من الإجحاف بحق الجهود التي يبذلها العاملون في برامج زراعة الأعضاء في المملكة وعبر مختلف المستشفيات المشاركة في البرنامج وكذلك إهمال الدعم والاهتمام الذي يجده البرنامج من حكومة خادم الحرمين الشريفين (حفظه الله) حتى حقق والحمد لله نجاحات مشهودة.
ولهذا ارتأينا أن نوضح بعض الحقائق العلمية والنقاط الهامة وخاصة فيما يتعلق بإعداد الوفيات الدماغية وعلاقتها بحوادث الطرق، حيث لا بد للقارئ الكريم أن يدرك أنه ليست كافة الوفيات الناجمة عن حوادث الطرق هي حالات وفيات دماغية، حيث أشارت الدراسات العلمية في البلدان الغربية بأن 30% من هذه الأعداد يتم إيصالها بالانعاش القلبي الرئوي إلى المستشفيات فقط ومن هذه الحالات 40% فقط يمكن أن يصلوا لوحدات العناية المركزة أي باختصار من أصل 7754حالة وفاة ناجمة عن حوادث الطرق من المتوقع أن يصل عدد الاصابات الشديدة في العناية المركزة لحوالي 930إصابة شديدة (نسبة 50% منها قد تنتهي بوفاة دماغية) وعليه قد يصل العدد المحتمل لدينا لحوالي 465حالة، وبتساؤل الأخ الزميل لماذا لم يبلغ فقط سوى 211حالة؟ لا بد من التوضيح بأن الوصول لضعف هذا العدد ومقارنة بالدول الغربية التي ترصد ميزانيات كبيرة للاخلاء الطبي ووسائل النقل والإسعاف يحتاج لجهود على المدى المتوسط والبعيد وتحتاج لميزانيات كبيرة ومناسبة نعمل على تطويرها بشكل مستمر لتحقيق الرعاية الطبية المثلى وضمان أفضل المواصفات.
كذلك لا بد من الإشادة بدور الهلال الأحمر السعودي والتطوير الدائم الذي يقوم به من ناحية زيادة أعداد مراكز الإسعاف وتجهيزها بالسيارات ووسائل النقل اللازمة والتي نقلت 146.266شخصاً مصاباً للمستشفيات منهم 34% من حوادث الطرق في عام 2005م على سبيل المثال.
كذلك تساءل الأخ الزميل عن سبب عدم التمكن من توثيق حدوث الوفاة الدماغية في 186حالة من أصل 474حالة تم تبليغها وتساؤله عن فعالية المركز والمتعاونين معه في التدخل بشكل سريع؟ ولا بد من الإشارة بأنه حتى في أكثر البلدان المتقدمة يتم توثيق الوفاة الدماغية بنسبة 75% وفي المملكة تقدر نسبة التوثيق بحوالي 60%، أما الأسباب لعدم استكمال التوثيق تتلخص إما بحدوث توقف قلبي دوراني رغم جهود الإنعاش المستمر بعد أقل من 12ساعة، علماً بأن بروتوكول تشخيص الوفاة الدماغية ينص على ضرورة إجراء الفحص الأول بعد 6ساعات من دخول الحالة في وحدة العناية المركزة وذلك بعد استنفاذ كل السبل لعلاج هذه الحالات وهو الأصل في الموضوع ثم لا بد من إعادة الفحص السريري مرة أخرى بعد مرور 6ساعات أخرى، وكل ذلك للتأكد من عدم وجود أي بارقة أمل في استعادة وظيفة الدماغ وتجنب الوقوع في أي خطأ يتعلق بالممارسة الطبية قبل إعلان الوفاة الدماغية نظاماً.
أما السبب الآخر فهو عدم صلاحية المتوفى دماغياً للاستفادة من أعضائه، مثل تقدم العمر أو وجود أمراض مزمنة أو تأذي عضوي شديد أو مرض سرطاني وقد أشار التقرير السنوي للمركز السعودي لزراعة الأعضاء عن أسباب عدم استكمال توثيق الوفاة الدماغية بالتفصيل والتي تعزى في أغلبها لاستمرارية فعالية قشر الدماغ (والتي يشار إليها بإجراء تخطيط الدماغ الكهربائي) وعدم إعلان الوفاة الدماغية نظاماً.
ولا بد من الإشارة بأن المركز السعودي لزراعة الأعضاء والذي بدأ مسيرته منذ أكثر من عشرين عاماً استطاع أن يحقق انجازات هامة في مجال التدريب الطبي وتعامله مع المستشفيات بشكل يومي وضمن إجراءات واضحة فالموضوع من وجهة نظرنا ليس خللاً في آلية التبليغ عن هذه الحالات أو استكمال توثيق تشخيص الوفاة، وهنا في المملكة نؤكد على ضرورة سير العمل ضمن أخلاقيات المهنة وضرورة بذل الجهد الكافي لإنقاذ هؤلاء الأشخاص ومن ثم عند التأكد من حدوث الوفاة الدماغية يتم استكمال عناصر التشخيص والرعاية اللازمة لمناقشة الأهل بعد ذلك بموضوع التبرع بالأعضاء.
وبخصوص نسبة الموافقة على التبرع بالأعضاء والتي تقدر في المملكة بحوالي 36% من مجموع الوفيات التي يتم فيها مقابلة الأهل والتي تحدث الزميل عن ضرورة زيادة نسبة الحالات المبلغة لتشمل 3000إلى 5000شخص لنحصل منها على 36%، فهذا أمر بعيد عن الواقع العلمي لحالات الوفيات الدماغية في المملكة والتي تقدر بشكل علمي استناداً للوفيات داخل المستشفيات أو الوفيات داخل العنايات المركزة ودائماً ربطها بعدد السكان وقد أكدت دراسات البلدان الرائدة في هذا المجال في أوروبا واسبانيا بشكل خاص وكذلك أمريكا بأن نسبة حالات الوفيات الدماغية تتراوح باختلاف البلدان ما بين 30إلى 60حالة لكل مليون نسمة وعليه إذا استعطنا التعامل مع كافة حالات الوفيات الدماغية في المملكة ( 60حالة لكل مليون نسمة) فنحن نتحدث عن حوالي 1500حالة على الأكثر سنوياً وليست 5000حالة وفاة دماغية.
ولا يخفى على كل المتابعين لبرامج زراعة الأعضاء في المملكة أن ما تحقق ولله الحمد من نجاحات واسعة جاءت بتوفيق من الله عز وجل ثم بالدعم والاهتمام الذي يجده البرنامج وكذلك التعاون التام من جميع المستشفيات بالمملكة.. حيث ارتبط المركز السعودي لزراعة الأعضاء ارتباطاً مباشراً بكل وحدات الغسيل الكلوي ومراكز الزراعة عن طريق الحاسب الآلي وكذلك وحدات العنايات المركزة في جميع مستشفيات المملكة.. وهو ما جعل نسبة تحقيق النجاح في الحصول على موافقات الأهل على التبرع بالأعضاء يتجاوز العديد من الصعوبات الاجتماعية والعملية تلك المرتبطة بالعادات والتقاليد في المجتمع.
كما نود الإشارة بأن برنامج زراعة الأعضاء في السنوات السابقة كان يمارس بأعداد متواضعة جداً وكنا نحتفل بانجاز زراعة 100كلية على مدار 3سنوات، حتى أصبح في يومنا هذا يمارس بشكل روتيني ويجري حوالي 400زراعة كلية سنوياً حيث بلغ عدد حالات زراعة الكلى من المتبرعين الأحياء داخل المملكة منذ بداية البرنامج وحتى نهاية عام 2007م (3572) حالة، بينما بلغ عدد حالات زراعة الكلى من المتوفين دماغياً (1794) حالة، تم منها في هذا العام (2007م) زراعة ما مجموعه (382) كلية، منها (260) من أحياء أقارب و(122) من متوفين دماغياً. أما بالنسبة لبرنامج زراعة الكبد في المملكة وحتى تاريخه تم زراعة (622) كبداً، منها (189) كبداً زرعت لأطفال من متبرعين أحياء، ففي عام 2007م تم زراعة (39) كبداً من حياء أقارب و(54) من متوفين دماغياً.
وخلال الفترة ( 1986- 2007م) تمت زراعة (134) قلباً كاملاً بالإضافة إلى (439) قلباً أخرى استخدمت كمصدر للصمامات البشرية. من ناحية أخرى فقد بلغ عدد عمليات زراعة البنكرياس داخل المملكة 11عملية بالإضافة إلى 27رئة. في إطار برنامج تبادل الأعضاء بين المملكة العربية السعودية وكل من اسبانيا، دولة الكويت، دولة قطر ومملكة البحرين فقد تم الاستفادة من 38كلية، 55كبداً، 7قلوب كاملة، 39قلباً للصمامات البشرية و 4رئات في عام 2007م.
من هنا فإننا نعتقد أن الأرقام لا تعكس فعلياً الجهد المبذول من كافة العاملين في البرنامج وإن كانت في نظرنا استحقت الشكر والتقدير بالنظر للصعوبات العديدة التي يعرفها العاملون في البرنامج جيداً وأهمها المتعلق بطبيعة هذا البرنامج واعتماده الكبير على المستشفيات وإمكاناتها ومشاركتها الفعلية كجزء رئيسي ومهم في مثل هذا البرنامج الوطني والإنساني النبيل. ونفتخر بأن تصبح مسيرة زراعة الأعضاء في المملكة العربية السعودية مثالاً أحتذت به العديد من الدول العربية والإسلامية وعلى مستوى قارة آسيا مثل (تونس، الجزائر، المغرب، وسوريا، ودول الخليج العربي وإيران، وباكستان، وماليزيا.. إلخ) إلى جانب دولة اليابان والتي استفادت من تجربة المملكة عندما بدأت برنامجها للتبرع بالأعضاء بعد الوفاة قبل 8أعوام فقط، وقد نال المركز السعودي لزراعة الأعضاء إعترافاً عالمياً بمهنية ونتائجه الباهرة من قبل منظمة الصحة العالمية والجمعية العالمية لزراعة الأعضاء وكافة المنظمات العالمية التي تتعامل مع برامج زراعة الأعضاء، وقد تم الاعتراف بالمركز السعودي لزراعة الأعضاء كمركز مرجعي لدول مجلس التعاون الخليجي في عام 2006م للاستفادة من خبرته المميزة وتعميمها على دول مجلس التعاون الخليجي. على كل حال نشكر الأخ الزميل على حرصه بالتطرق لهذا الموضوع ونؤيده في ضرورة رفع كفاءة المركز السعودي لزراعة الأعضاء إنما مع تذكيره بأن تطوير هذا البرنامج كان وما زال مثار اهتمام ورعاية كبيرة من ولاة الأمر (حفظهم الله) وكذلك معالي وزير الصحة والذي دأب ممثلاً بمجلس الخدمات الصحية على دراسة السبل الكفيلة بتحقيق المزيد من النجاحات وقد خلص المجلس لاعتماد اقتراح ميزانية أكبر للبرنامج ضمن إطار تنظيمي واضح يعطي للمركز السعودي لزراعة الأعضاء صلاحيات أكبر نحو تحقيق أهدافه، وقد رفعت هذه التوصيات لمجلس الخبراء برئاسة مجلس الوزراء آملين أن يتم المصادقة عليها من قبل مجلس الوزراء الموقر في القريب العاجل (بإذن الله) آملين أن يحقق ذلك نقلة إضافية لهذا البرنامج والذي يحتاج كذلك لتضافر كافة أفراد المجتمع بشكل عام وبشكل خاص علماء المسلمين الأفاضل لأهمية الناحية الدينية في مجتمعنا العزيز.
مع أطيب تحياتي
*مدير عام المركز السعودي
لزراعة الأعضاء