من أهم ما تتضمّنه فكرة "التبادل الثقافي" أنها تعتمد على عنصرين متوازيين من كل طرف، وهما الأخذ والعطاء. فهناك جهة تأخذ وفي الوقت نفسه تعطي، بمثل ما تكون الجهة الأخرى تقوم بالفعل نفسه. ولهذا السبب وجدت هذه الفكرة رواجًا في بناء العلاقات وإقامة التواصل الإيجابي بين الأفراد وبين الشعوب. وهو تواصل إيجابي لأنه لا يقلل ولايُعلي من قيمة طرف على حساب طرف آخر. كما لا يدّعي أفضلية معينة أو سلطوية ثقافية يمكن نسبتها لمعطى محدّد دون غيره، لأن فكرة "التبادل الثقافي" تنطلق في الأساس من كون أي نشاط بشري وأي منجز إنساني له مسوغاته المنطقية الباعثة له، ولهذا فإن ذلك النشاط أو المنجز - الذي يكتسب صفة الثقافي - هو محل التقدير إذا وضع في سياقه الواقعي.
وإذا اعتبرنا أن التواصل الإيجابي في شكله المحسوس بين الشعوب وفي شكله المجرد بين الأفكار هو نتيجة للتبادل الثقافي، فإن النتيجة هي بروز درجة عالية من الاحترام الذاتي للتاريخ والحضارة. ذلك أن التواصل يفتح جسورًا مباشرة للتعرّف على الآخر بما لديه من نظرة مختلفة لهذا العالم. وهذه المعرفة تساعد على تقييم الذات مقارنة بالآخرين فيتعرّف الإنسان على موقعه الثقافي وفق معطيات العصر الحديث الفاعلة بين الشعوب وبين الثقافات المختلفة.
ومن هنا جاءت فكرة الملك عبدالله الرائدة في دعم البعثات الخارجية للطلاب السعوديين ليس فقط للدول الغربية المتقدمة بل كذلك لدول آسيوية وعربية لاتقل أهمية في حضارتها عن الدول الغربية المتطوّرة. وهو مشروع نهضوي يسعى إلى تنويع خبرة الطلاب والطالبات لكي يكتسبوا المعارف والخبرات ويتدربوا على مواجهة أساليب أخرى من الحياة ويتعاملوا مع أنماط جديدة في السلوك والفكر، فيعود كل واحد وواحدة منهم بخبرات مختلفة وأفكار متنوّعة تثري تخصصاتهم وتفيد حقولهم المعرفية وتصقل مهاراتهم العملية فتنعش البلد بأكمله.
ومع أن التواصل الثقافي بمستوياته المختلفة أثبت تاريخيًا أنه يغني الحضارة ويزيدها قوة وبهاء إلا أنه لازال هناك من يجد في هذا التواصل بابًا مفتوحًا على مصراعيه لدعوة المشكلات وجلب المصائب. فعلى سبيل المثال، يعتقد البعض أن تقبّل الآخرين في المجتمع يساهم في خلق حالة من الغزو الفكري والتغيير السلبي للمجتمع خصوصًا إن تقبلنا هؤلاء الزائرين بدون مساومات ومن غير فلترة.
وفي الحقيقة لايمكن أن نتوقع أن هذه النظرة الأيديولوجية متطرفة فحسب، بل يمكن أن تجعل صاحبها أسيرًا لسلسلة لاتنتهي من المؤامرات والمكائد التي تعتمد بشكل كلّي على الشك المطلق. وبإمكان الشك أن يتمدد وينتشر في كل جزء من كيان المرء فلا يستطيع أن يميّز حينها بين من هو معه ومن هو ضدّه، لأن من يعتقد أنه معه يمكن أن يصدق عليه أنه ضدّه لو طبّق عليه نظرية الشك، ومن هو ضدّه يحتمل أن يكون معه لو نظر إليه من باب حسن النية أو حتى من منظور خالي الذهن. وهذه المعضلة أشبه ما تكون بلعبة دائرية ترتدّ على نفسها من كل الأطراف. وبسبب تعقيدها وبساطتها في وقت واحد، فقد حفلت ثقافات الأمم الشعبية بما يعبّر عنها من أمثال أو نكت أو مقولات شائعة.
ففي الثقافة الشعبية السعودية هناك مجموعة أمثال تحاول التعبير عن الحالة النفسية لمن يشك في شيء لايقبل الشك ولكنه يصدّق شكّه، فيقولون: "قال رأسك هو عليك، قال خلني أتحسسه"، أو "مثل اللي كذب وصدّق كذبته". ومثل آخر يبيّن كيف يتوهّم الشخص حقيقة يراها غيره، فيقال: "ينشد عن ولده، وولده على يده". وثمة أمثال أخرى تراعي الجوانب النفسية والذهنية التي يمرّ بها المرء، فمن خلال ذاته يقيس رؤيته لغيره فيعتقد السوء مثلا في الآخرين رغم أنهم ليسوا كذلك، فيقال: "اللي فوق رأسه ريشة يتحسسها"، و "كلّن يشوف الناس بعين طبعه". وغيرها من الأمثال التي تعبّر عن مواقف شك يمر بها البعض وتؤثر على رؤيتهم للأشياء بطريقة منافية للواقع.
وتأتي مقولة "الغزو الفكري" أو "الغزو الثقافي" من بين مقولات الشك الرائجة في بعض الأوساط التي تتحكم الافتراضات النظرية في رؤيتها للحياة أكثر من الوقائع العملية. ويرى المفكّر والناقد الفذّ الدكتور عبدالله الغذّامي أن "مقولة الغزو الثقافي ليست سوى مقولة واهمة"، على اعتبار أن الجوهريات الثقافية لها من القدرة على التحدّي والصمود أكثر من قابليتها للذبول والانمحاء. ومن هنا جاء دور الاتصال مع الغرب في بدايات عصر النهضة في تطوير الأفراد والشعوب منذ زمن رفاعة الطهطاوي؛ فهو تواصل مفيد يثري الحضارة ويفعّل عناصر القوّة فيها فيزيدها رسوخًا بمثل ما ينمّي عناصر التطوير والإبداع.
وقد تناول أحد الروائيين هذا الجانب مع مجموعة من الأساتذة والمهتمين في ندوة عرضتها قناة الجزيرة مساء الثلاثاء 17يونيو 2008م ضمن البرامج التي تبثها، وأشار في حديثه إلى وضع الثقافة العربية والثقافة المصرية في الوقت الراهن. وقد لفتت الانتباه في حديثه نقطتان، الأولى تتعلّق بإشارته إلى وهابية الجزيرة العربية القادمة إلى مصر، والنقطة الأخرى موقفه من ابتعاث الطلاب السعوديين إلى الجامعات المصريّة. ولن أتطرق إلى النقطة الأولى لأنها جدليّة وتحتاج إلى مساحة أكبر وإلى نقاش واسع حول مفهوم الوهابية على أساس أن الوهابية في تعريف السعوديين تختلف عن الوهابية في تعريف غيرهم، والوهابية السياسية تختلف عن الوهابية الاجتماعية أو المذهبية..إلخ. ويمكن مناقشة النقطة الأخرى التي تتعلق بابتعاث هؤلاء الطلاب إلى الجامعات المصريّة، فقد ذكر الأستاذ أن السعودية ستبعث خمسين ألف طالب إلى مصر، ولا نعلم ماهو مصدر هذه المعلومة المبالغ فيها. ولم يُخفِ الأستاذ تبرّمه من التأثير السلبي لهؤلاء الطلاب الوهابيين على الثقافة المصريّة.
ورغم مكانة هذا الأديب الرفيعة الذي زار الرياض في معرض الكتاب الماضي إلا أننا نختلف معه في هذه النقطة، فهو حينما قلل من قيمة الدخل المادي الذي سيجلبه هؤلاء الطلاب ورفع من أهمية تأثيرهم السلبي على ثقافة المجتمع وكأنهم "مصيبة" ستحل على البلاد، فإن افتراضه يصوّر المجتمع المصري على أنه ضعيف وأن ثقافته يمكن أن تتغير وربما تطمس بسهولة. ولا يمكن أن يكون مثل هذا الافتراض متحققًا حتى في نظر الأستاذ الغيطاني نفسه لأن الثقافة المصرية قوية وجوهرية وأصيلة وليست موضع اختبار أمام غزو خارجي.
ويمكن الحديث عن عناصر ثانوية يمكن أن تكون موضع تبادل ثقافي إيجابي بين الشعوب، كاكتساب مفردات من اللهجة، أو التعرّف على بعض عادات الأكل والضيافة، أو أخذ أساليب معينة في اللباس والسكن والتحية..إلخ. فهذه عناصر تأخذها الشعوب من بعضها لأنها تناسب نمطًا جديدًا من الحياة ولكنها لاتغير من بنية الثقافة الأساسية، فمثلا ليس دقيقًا أن يُعتبر من ينطق كلمة إنجليزية إنجليزيًا، ولا من يأكل "البيتزا" إيطاليًا، وليس كل من يأكل "الهمبرغر" أمريكيًا، ومن يلبس "الجينز" عامل منجم، ومن يلبس "الشماغ" وهابيًا..إلخ. فهذه المتغيرات الثقافية يمكن الاستغناء عنها لأنها عادات مكتسبة وليست أصيلة، مثلها مثل من يستخدم الشوكة والملعقة في بلاد الغرب فإذا عاد إلى بيئته استخدم يده في الأكل. أما القيم الثقافية الراسخة كالنخوة والكرم والوفاء والحميّة والشرف فهذه لن تتغير بين يوم وليلة. ولهذا يمكن القول بأن المتغيرات الثقافية لها نسق يشكّل الخطاب الثقافي، وهذا النسق لايتحقق إلا بعد أن تأخذ تلك المتغيرات نمطًا من التكرار العميق في الكيفية والنوع والبعد الزمني.
ومن هنا فإن ابتعاث الطلاب السعوديين إلى أي دولة إنما يهدف إلى إكسابهم المعرفة والخبرة، وتأتي دولة مصر على رأس الدول التي تضم جامعات عريقة فيها علماء أجلاء تعلّمنا منهم ومن مؤلفاتهم كما تعلّم غيرنا منهم وكما تعلّمنا من دول أخرى عديدة تبادلنا معها نوعًا من التواصل المعرفي المفيد.