أمريكا.. حلقة الفراغ
بينها وبين العرب!!
في كثير من دول العالم الفقيرة والغنية، هناك من يحلمون في الوصول إلى أمريكا واتخاذها وطناً، لجاذبيتها الاقتصادية و(ديناميكيتها) بتحويل أي مبتكر إلى سلعة أو نشاط ما سري أو علني، وهذا التميز الذي جعلها قبلة العالم والمؤثرة فيه بسلعها وأفلامها ودعاياتها المختلفة..
ومع أن العرب والمسلمين جزء من العالم الذي تفاعل مع الأدوار الأمريكية وشاركها الجغرافيا الواحدة، وأن مئات الآلاف من الطلبة، والقاطنين، أو المستوطنين بها من أصحاب الكفاءات المختلفة من تلك الجنسيات، استطاعوا الاستفادة من التعلم والأجواء الحرة، وأن مؤثرات عديدة طبعت شعوباً برمتها ببعض التقاليد الأمريكية، إلا أن تأثيرها الاقتصادي والثقافي اقتصر على الجوانب الاستهلاكية فقط، بحيث تجد من يحب أفلامها، وموسيقاها، أكثر من يدرك أو يفهم الوجه الآخر لشعبها، والمخالف لكثير من سياساتها..
مثلاً تستغرب أن يوجد بيننا مئات الآلاف من درس أو تعامل مع الأمريكيين بشكل مباشر، ولم يأت التأثير جذرياً بخلق أجواء تفاهم عملي على تحديد أهداف مشتركة لا تلعب فيها السياسة أدواراً فاعلة، والدليل على انحسار التأثير الاجتماعي على العرب، وكذلك المسلمين أن محطات الفضاء الناطقة بالعربية، وحتى مواقع "الإنترنت" ووكالات الأنباء والمكنة الهائلة للإعلام، لم تستطع أن تطوق الخلافات وتنزع الأزمات التي حولت الصراعات إلى عداء مستحكم وصل إلى أقصى مشاعر الناس، ومن كل الطبقات..
حقيقة أن أحداث 11سبتمبر خلقت هذه الفجوات، وبقدر ما نعتقد أن الإرهاب صورة بشعة سلوكياً وأخلاقياً، إلا أن ردات الفعل الأمريكية، والتي لم تنظر إلى الشعور العام العربي والإسلامي، وخاصة زمن الرئيس بوش، خلقت تباعداً غير مسبوق، ولم يقتصر فقط على دول المنطقة ومحيطها الإسلامي، بل تعدتها إلى دول ظلت منسجمة مع السياسة الأمريكية، عندما تحولت إلى ناقد مباشر لتصرفاتها، ورافض لغزواتها، وتندرها على العالم بأنها القوة العسكرية والمادية، ومالكة القيم الأخلاقية التي لا بد من الاسترشاد بها وتطبيقها..
الغريب، أنه رغم أن بريطانيا، وصلت بعدائها مع دول المنطقة إلى حروب وقطع علاقات، وتوترات مستمرة، إلا أن الإدارة الواعية للأزمات وفرت انطباعاً عاماً أنها الأكثر قابلية للخروج من المآزق بحلول إيجابية، وبمقارنة بسيطة بين ما بثته إذاعة ال "بي. بي. سي" ومحطتها الفضائية الناشئة وتأثيرهما غير العادي على المواطن العربي، والعكس مع إذاعة صوت أمريكا القديمة، ومحطات الحرة، نجد المقارنة صعبة وتأتي لصالح الإنجليز ضد الأمريكيين..
هنا يأتي الدور السياسي كلاعب عميق التأثير على الشعوب، إذا بدلاً من أن تحوِّل أمريكا كل من تعامل معها مباشرة من العرب كطلاب وزائرين وشركاء عمل، إلى سفراء معينين لها، نجد أن معظم هذه الطبقات من المجتمع العربي، بقي رافضاً للأفكار الأمريكية، بينما نجد المفاضلة بين الشعب الأمريكي، وغيره تأتي لصالح الأول، وهذا التناقض بين ما هو سياسي واجتماعي، أدى إلى خلق الشكوك والفوضى الدائمة، وهي أزمات متلاحقة ربما تجد الحل بحكومة قادمة تضطر إلى التوازن بعلاقاتها وسلوكها كمهمة رئيسية..