"ساركوزي" في حكاية
إسرائيل.. والسلام!!
فرنسا لعبت أدواراً مختلفة في المنطقة، كانت دولة استعمار، ثم صديقاً مفتوح الخزائن المادية والعسكرية مع إسرائيل، حاربت معها في السويس 56، وأعطتها أهم ما في ترسانتها العسكرية قبل حرب 1967التي انتصرت بها على العرب وشيدت أول مفاعل نووي لها نكاية بتأييد العرب استقلال الجزائر، لكن (ديجول) كان الطرف الرافض لاستمرار إمدادها بالقوة نتيجة عدوانها، والمتعامل بواقعية كاد أن يدفع ثمنها باغتياله بسبب قبول الأمر الواقع، وإعطاء الجزائر استغلالها، ثم تتالت المراحل بين مد وجزر حول العلاقات العربية - الفرنسية، والتي غالباً ما تبرز إسرائيل طرفاً حاداً في أي تقارب بين الطرفين..
الرئيس "ساركوزي" شاب يريد إحداث تغييرات جوهرية في السياسة الفرنسية، عاد إلى الحضن الأمريكي صديقاً بلا شروط، ورفض قطيعة بلده في عضوية حلف الأطلسي، وصار متحدثاً باسم أوروبا كلها، وبخطابه في الكنيست الإسرائيلي، تشابه في تعاطفه بمداعبة المشاعر الإسرائيلية مع الرئيس الأمريكي بوش، بأن صورها هدية السماء للأرض، ولا أحد يعترض على هذا التعاطف وحتى ما قاله عن السلام مع الفلسطينيين ونبذ العنف والكراهية، وإعطاء دور للدبلوماسية وحل القضايا الصعبة والتي قد لا تعجب الإسرائيليين أن يدلي بها رئيس بهذا الحجم، إلا أن الأمور ليست بهذا التبسيط إذا ما علمنا أن واقع الصراع لم يكن نبتة عربية حين طرد شعب بكامل حقوقه القانونية ليحل بديلاً عنه شعب آخر وفق دعاوى الميعاد..
بريطانيا، ولعدة عقود خالفت السياسات الأوروبية، وحتى الدولية عندما بايعت أمريكا حليفاً مطلقاً فوق جميع التحفظات حتى من داخلها معتقدة أن الاتكاء على قوة عظمى لها القدرة على لعب كل الأدوار يعطيها ميزة مختلفة عن كل معارضي أمريكا، لكن بعد المشاركة الفعالة في غزو العراق، ووصول قوى الإرهاب إلى عمقها، بدأت تعيد النظر في السير في تلك المغامرات ولذلك تحفظت، ورفضت بعض المشاريع المكلفة أمنياً وعسكرياً مع أمريكا، والرئيس ساركوزي يبدو أنه يريد أن يكون البديل، وإن لم يأخذ بسياسات أمريكا كلها، لكنه ليس البديل الموضوعي بل المساند، غير أن الأدوار الأساسية تبقى أمريكية، وربما في المستقبل غير البعيد تدخل أقطاب جديدة السوق السياسية مدعومة بقواها الذاتية والهامة إقليمياً وعالمياً، وكذلك مصالحها..
ساركوزي بقدر ما كان شاعر الكلمة في الكنيست، إلا أنه كان حذراً ولكن أيضاً طرح ما يريد أن يقوله بالنسبة لمعاناة الفلسطينيين وحقوقهم، وحل مشاكلهم، وإسرائيل ليست السرب الصغير من الحمام الذي تهيبه أي حركة، انها تعرف كيف تصطاد طرائدها، وهي ما لم تملك ما فوق حقها، فهي لا تسلم بالأمر الواقع، وحتى التناغم بينها وبين فرنسا إذا لم يتوج بمغانم ومكاسب مادية وسياسية، فهي لا تشعر بأن بلاغة الكلمة وسيلة إغرائها، غير أن ما يدور في المنطقة من تحركات دولية، وإقليمية، وحوارات بين خصوم ومحاولة الالتقاء على حلول سلام، أو القبول بحالات تهدئة ووساطات، وإشراك دول أوروبية وغير أوروبية بهذه المساعي يجعل الأمور تتجه إلى المواقف المنفرجة..
مسعى ساركوزي يأتي في إطار هذا التحرك، لكن ما يجب أن نجنيه ليس دبلوماسية الكلمة، وإنما الفعل الحقيقي، وأوروبا تملك ما تستطيع فعله، أو المساعدة على توطينه، لكن بشرط أن يتساوى الجميع في النتائج، وليس الأماني..