د. فايز بن عبد الله الشهري
لم يكن يوما عاديّا حين بدأت "مسار" أولى خطواتها قبل حوالي ثماني سنوات على صفحات جريدة "الرياض" الأثيرة، سنوات جرت فيها ومعها أحداث وأسماء. حين بدأت "مسار" لم يكن حال التقنية والمجتمع على خير حال... كانت مهمة الكتابة الجماهيرية شيّقة وشاقة فاختارت الزاوية منطقتها وهي تتساءل: "كيف يمكن أن تكتب في التقنية عن الناس، وكيف تكتب في الناس من وحي التقنية".. كانت الأسئلة المجتمعية المركزية حينها لا تخرج عن دائرة ماذا ستصنع بنا التقنية... وماذا تخبئ لنا التقنية؟ أما سؤال مثل "ماذا يمكن أن تقدم لنا التقنية؟" فكان مثار توجّس وخشية..خاصة وأن شبكة الانترنت - درة عصر التقنية - ظهرت وقتها وليدة أشبه بالصبية اليتيمة التي تحاول أن تخطو دون سند فتتعثر.. كثيرون منا كانوا في حالة خصام معها...هي خرجت إلينا من باب العلم... ونحن استقبلناها على عتبة باب الخوف والريبة... ولكن في نهاية الأمر أغرتنا لذّة الانبهار الممزوجة بطعم الحرية فانتصرت للانترنت ولنا.
ربما يمكن القول أن الناس كانوا قبل ثماني سنوات أكثر سكينة... وحتى القراء المشاكسين كانوا أكثر حميمية فما إن تصل رسائلهم حتى نرد ويردون مبتهجين في ذات اليوم وعلى ذات الشاشة...حينها لم نكن نحسب حسابا للفتنة القادمة... أو التصنيفات الهادمة... ولكنها جاءت هوجة عمياء فأشعلت عقول وانشغلت بها قلوب ثم تفجرت وتلاشت بأصحابها وهما في الشوارع والقفار. في تلك الأيام كنا مع بداية الألفية وكان التجار في بلادي اقل جشعا والناس أكثر قناعة فلم يصب احد منا ومنهم بعد بسعار الأسهم وحمى العقار وجنون الثروة.
الله... في تلك الأيام الخوالي كنت تستطيع بنصف مليون ريال شراء منزل مريح، وبالمليون كان يمكنك حيازة فيلا أنيقة، وان زدته مليونا آخر حظيت بقصر صغير في حي شمالي راق لتعرف رقيه من ملاحظة أن غالب من يصلي معك في مسجده هم من ضعاف الخدم وقليل من عابري السبيل!!. بدأت هذه الزاوية رحلتها مؤقتة يوم ذاك فطال بها السفر وكأن السنين الذاهبات ومضات ثوان في عدّاد الزمن الراحل.
أنذاك كان (للريال) "هيبة" (الرجال) مع أن سعر برميل البترول كان يتأرجح عند 18دولارا وقد يلامس العشرين بخجل، وهاهو اليوم يقفز ملامسا حدود 140دولارا ومع هذا ما انفك الناس - كل الناس - يضجون بالشكوى والأنين من "ثقل" سعر كيس الأرز "وخفة" وزنه. وأيضا حين بدأت الرحلة قبل ثماني سنين كان مستخدمو الانترنت في بلادي لا يزيدون عن خمسمائة ألف وهاهم اليوم يقفزون حاجز الخمسة ملايين مستخدم...
عبر تلك السنوات كنا نكتب فيأتي بريد القراء محملا بالعتب أو الإشادة أو التوضيح الالكتروني مذيلا بعبارات تتنافس نبلا وابداعا فهل ذاب كل هذا اليوم في زحمة شاشات الأسهم وضجيج بنات الفضائيات. ترى أين ذهبت كوكبة القراء الذين عرفناهم أقلاما متوهجة أين ذهبت أسماء تألقت ردحا من الزمن على الشاشة الالكترونية...أين بريد "صاحب الفخامة" وتعقيبات "ذات العقل الجميل".... يوما يجاريك "فواز" وفي يوم يستدرك عليك "سليمان الرميح" أو تستوقفك فرائد "ذات دل بخترية" أو عفوية "خفوق الكرز". ترى هل بقي في البريد القديم والجديد شيء يحرض القلم ويستفز الكتابة. أيها الغائبون والحاضرون...كيف مرّت ثماني سنوات وماذا صنعت بكم؟
مسارات
قال ومضى: لأننا لا نملك تغيير الماضي أو استعادته فلا أقل من أن نعيش ذكرياته التي أحببناها.